أحمد أمين

50

كتاب الأخلاق

المعنى ، تختلف ميولهم وأعمالهم من آن لآخر : يقابلهم الكريم فيحبب إليهم الكرم فينفقون ، ويقابلهم البخيل فيدعوهم إلى الشح فيضنون . من هذا نفهم أن اخلق صفة نفسية لا شيء خارجي . أما المظهر الخارجي للخلق فيسمى « سلوكا » أو معاملة ، والسلوك دليل الخلق ومظهره ، فإذا رأينا معطيا يعطي باستمرار في الظروف المتشابهة استدللنا من ذلك على وجود خلق الكرم عنده ، وهكذا . أما العمل الفذ الذي يحصل مرة أو مرتين ، فليس دليلا على الخلق ؛ وشدد أرسطو في تكوين العادات الطيبة ، أي في تكوين الخلق الثابت الذي تصدر عنه الأعمال الصالحة باستمرار ، وكما أن الشجرة تعرف بالثمرة ، فكذلك الخلق الطيب يعرف بالأعمال الطيبة التي تصدر بانتظام . تربية الخلق : هناك أمور تعين على تربية الخلق وترقيته ، نذكر لك أهمها : 1 - توسيع دائرة الفكر ، وقد علق عليه « هربرت سبنسر » أهمية كبرى في تربية الخلق ، وحق أن الفكر الضيق مصدر لكثير من الرذائل ، وأن العقل المخرف لا ينتج عنه خلق راق ، انظر إلى جبن كثير من الناس ترى سببه خرافات ملأت أدمغتهم من عفاريت وغيرها ، وكثير من القبائل المتوحشة يعتقدون أن العدل إنما يجب عليهم نحو أفراد قبيلتهم فحسب ، أما نحو غيرهم فليس من الظلم أن تسلب أموالهم ولا تهدر دماؤهم . دائرة الفكر إن كانت ضيقة انبعثت عنها أخلاق منحطة ؛ كالذي نشاهد في الأثر ( الأناني ) الذي لا يحب الخير إلا لنفسه ولا يرى في الوجود من يستحق الخير إلا هو . وعلاج هذا أن يوسع نظره ليدرك قيمته في أمته ، وليعلم أنه ليس عضوا من جسم ، وليس هو كما يزعم مركز الدائرة ، بل هو كغيره نقطة على المحيط . ضيق النظر يشل العقل ويصده عن رؤية الحق ويجعل أحكامه التي يصدرها - سواء أكانت علمية أم خلقية - ناقصة أو باطلة . ألقى أستاذ محاضرة في جامعة « كاليفورنيا » ، فتقطم إليه طالب يعد إتمام المحاضرة ، وقال له : « إني ألاحظ شيئا في محاضرتك آلم عواطفي ، فإنا معشر الكاليفورنيين لا نشاء أن نسمع أن جبالا