أحمد أمين

51

كتاب الأخلاق

أعلى من جبالنا » ، هذا مثل من ضيق العقل ، فإن حبه لبلده جعله لا يسمح لأحد أن يذكر أن جبلا أعلى من جبل بلده ، وكثير من الناس أنظارهم في الحياة مثل هذا أو قريبة منه ، وعن هذا النظر القاصر تصدر أعمالهم وتتكون أخلاقهم ، اعتبر ذلك فيما جرى بين المتدينين بالأديان المختلفة ، كيف سالت الدماء بينهم أنهارا ، وكيف كان النظر الضيق والتعصب الديني مثارا للفتن والنزاع والقتال ، بل تأمل في نظر كل أمة إلى أعمال الأمم الأخرى وفيما يحكم به كل فرد من أمة على عادات الأمم الأخرى وأعمالها ترى أنه يتحزب لأمته ولا يعدل في حكمه ، حتى قد يجره ذلك إلى عد الظلم عدلا والعدل ظلما ، ولا يمكن الإنسان أن يتخلص من هذا التحيز إلا إذا أحب الحقيقة أكثر مما يحب رأيه وأمته ، وشغف بالبحث عنها ، إذن يتسع نظره ويصح حكمه ويتبع ذلك رقي خلقه . 2 - صحبة الأخيار ، مما يربي الخلق صحبة الأخيار ، فالإنسان مولع بالتقاليد ، فكما يقلد من حوله في أزيائهم يقلدهم في أعمالهم ويتخلق بأخلاقهم ؛ قال حكيم : « نبئني عمن تصاحب أنبئك من أنت » ؛ فمعاشرة الشجعان تلقي الشجاعة في نفوس الجبناء وهكذا ، وكثير من النابغين يعزون نبوغهم إلى أنهم وفقوا إلى اختيار صاحب وأصحاب أثروا فيهم أثرا صالحا ونبهوا فيهم قوى كانت خاملة « 1 » . 3 - مطالعة سير الأبطال والنابغين ، فإن حياتهم تتمثل أمام القارئ وتوحي إليه بتقليدهم والاقتداء بهم ، ولم تخل أمة من أبطال لا يقرأ القارئ ترجمة حياتهم إلا ويشعر بأن روحا جديدا دب فيه وحركه للإتيان بعظائم الأعمال ، وكثيرا ما دفع الناس إلى العمل الجليل حكاية قرؤوها عن رجل عظيم أو حادثة رويت عنه . ويتصل بهذا النوع الأمثال والحكم ، فإنها أفعل في النفس وأقرب حضورا إلى الذهن ، وفيها تتركز المعاني المنبسطة كما يتركز البخار المنتشر في قطرات المطر .

--> ( 1 ) اقرأ الكتاب الثامن والتاسع من كتاب الأخلاق لأرسطو ، فإنهما من أبدع ما كتب عن « الصداقة » .