أحمد أمين
47
كتاب الأخلاق
الباعث على العمل قد يكون اللذة وقد يكون غيرها ، وقالوا : إن الواقع يشهد أنا قد نقصد إلى بعض أعمال لا يصحبها شيء من اللذة « 1 » . والذين قالوا : إن الباعث إنما هو اللذة اختلفوا : هل يبعث الإنسان على العمل لذته الشخصية وحبه لنفسه فقط ، وليس له باعث غير ذلك ، أو قد يبعث على العمل لذة الناس ومنفعتهم أيضا ؟ وقال قوم بالمذهب الأول ، أي أن الإنسان بطبيعته لا يبعثه على العمل إلا حبه لنفسه وطلبه اللذة لها ، أي أن أثر ( أناني ) لا يطلب إلا خير نفسه ، وعمل الأخلاق هو إخضاع هذه الأثرة لتتفق مع مصلحة الناس . وقيل : إن عمل الأخلاق هي ترقية نفسه حتى يرن أن لذته وخيره في مراعاة لذة الناس وخيرهم ، وقالوا : إنه إذا انعدمت عند الإنسان المصلحة الذاتية لم يوجد الباعث على العمل ، فلم يوجد العمل ، وهؤلاء يحللون أدق أعمال الخير ويرجعون الباعث عليها إلى المنفعة الذاتية ، ويقولون : إن الناس يخدعون أنفسهم إن قالوا : إن الباعث لهم أداء الواجب أو منفعة الناس ؛ فالمحامي يقول : إن الباعث له على عمله نصرة المظلوم وإحقاق الحق ، والطبيب الذي يزعم أن الباعث له العناية بالمريض وشفاؤه وغيرهما إنما يقصدون المصلحة الذاتية من مال وجاه وشهرة ، ومن القائلين بهذا المذهب ( ميكافيلي ) وأتباعه . وفي هذا المذهب حط من شأن الإنسانية ، فضلا عن أنه بعيد عن الصواب ، فكثير من أعمال الناس لا يظهر أن الباعث عليها حب الذات ؛ ككثير من أعمال الآباء والأمهات نحو أولادهم ، وكأعمال الخير الذين يقصدون إلى إيصال الخير إلى الناس مهما نالهم من الأذى . وقال قوم آخرون : إن الإنسان بطبيعته قد يبعثه على العمل تحصيل لذته وخيره ، وقد يبعثه الناس وخيرهم ، فهو بطبيعته أثر يبعثه أثر يبعثه على العمل هذا أحيانا
--> ( 1 ) يجب هنا أن ننبه إلى أن هناك فرقا كبيرا بين قولنا : « إن الباعث دائما على العمل اللذة » ، وقولنا : « إن حصول ما نسعى إليه بسبب الشخص لذة » ، فالجملة الثانية ليست محلا للخلاف ، فكل ما نريد تحصيله إذا وقع سبب للشخص لذة باتفاق ، ولكن كون الباعث دائما اللذة هو محل الخلاف .