أحمد أمين
48
كتاب الأخلاق
وذاك أحيانا ، وعمل الأخلاق تهذيب الناحيتين والتوفيق بينهما حتى لا يتعارضا . وقيل : إن عمل الأخلاق إخضاع الأثرة لعاطفة الإيثار . وقديما وضعت المبادئ الأخلاقية لمحاربة الأثرة والحض على الإيثار نحو « عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به » و « أحب لأخيك ما تحب لنفسك » و « اليد العليا خير من اليد السفلى » الخ ؛ وذلك لما رأوا من أن أكثر شرور هذا العلم ناشىء من الأثرة . قال سنتهلير في شرح مذهب أفلاطون : إلى أكبر شر في الإنسان هو عيب يرافقنا جميعا عند الولادة وكل الناس يسامح نفسه فيه ، ولهذا لا تجد من يبحث عن الخلاص منه ، إنهم يسمونه الحب الذاتي ، ولا شك في أن لهذا الحب الذاتي بعض المحل من الحق ، بل من الضرورة ؛ لأن الطبيعة التي ركبته فينا ، ولكن ذلك لا يمنع أنه متى أفرط فيه صار العلة العادية لجميع خطايانا . قد يتعامى الإنسان بغاية السهولة عما يجب ، فقد يسيء الحكم على ما هو حق وطيب وجميل متى ظن واجبا عليه أن يفضل دائما منافعه على منافع الخلق ، فأيما إنسان شاء أن يكون رجلا عظيما لا ينبغي أن يحب ذاته ولا ما هو له ، ولا ينبغي أن يحب الخير سواء في نفسه أو في غيره ، وإلا وقع من سلوكه في ألف خطيئة لا يمكن اجتنابها « 1 » . وقد أوضح بعض علماء النفس الفرق بين الأثرة والإيثار ، فقال : إن كل عمل يعمل إنما يعمل بناء على غريزة من غرائز الإنسان ، وبعبارة أخرى « إن الباعث الدافع » هو الغريزة وكل عمل يعمل إجابة لطلب غريزة يشعر الشخص بلذة منه إذا حصل ويعد العمل إيثارا إذا كان العامل يحد لذة في عمل الخير للناس . أما إن كان يجد لذته في عمل يعمله لنفسه فذلك أثرة ، فمثلا طبيب عنده غريزة لفت الناس إليه والإعجاب به ، فلو وجه أعماله لإيصال الخير للناس بمعالجة المرضى والعناية بهم ، فهذا إيثار ؛ ولو تلذذ هو من الثناء وإعجاب الناس به ، فليس الإيثار يعتمد على إيلام النفس والتضحية بلذائذها ، بل يعتمد على الغاية التي نريد تحصيلها ، فإذا عملت العمل قاصدا منه إسعاد الناس فذلك إيثار ولو تلذذت من عمله ، وإذا عملته قاصدا إسعاد نفسي فذلك أثرة .
--> ( 1 ) مقدمة كتاب الأخلاق لأرسطو ترجمة لطفي السيد 66 / 1 .