أحمد أمين
46
كتاب الأخلاق
هذان العاملان يفيدان الإرادة ويرسمان لها طريقا للعمل حتى لنستطيع أن نتنبأ بما سيعمله الإنسان الذي تكونت أخلاقه . أما نوع الحرية ، فإن الغريزة والبيئة والتربية لا تسلبه اختياره بدليل ما نشعر به من أنفسنا من حرية الاختيار ، ولولا أن إرادة الإنسان حرة في اختيار الخير والشر لكانت التكاليف الأخلاقية والأمر والنهي ضربا من العبث ، ولما كان هناك معنى للثواب والعقاب والمدح والذم . الباعث على العمل الأثرة والإيثار معنى الباعث : يستعمل لفظ الباعث في معنيين ، فقد يطلق على ما يدفعنا إلى العمل ، وقد يستعمل في الغاية التي تجذبنا إلى العمل ، فإذا ضرب والد ابنه فقد يقول - على المعنى الأول - : إن الباعث له على الضرب الغضب ، أي أنه هو الذي دفعه للضرب ، وقد تقول - على المعنى الثاني - : إن الباعث له على الضرب تأديبه ، أي أن التأديب هو الغاية التي جذبته للعمل . وإذا رأيت فقيرا بائسا فأعطيته شيئا من المال ، فتارة تقول : إن الباعث لي على الإعطاء الشفقة ، وتارة تقول : إن الباعث سد حاجة الفقير ؛ فالشفقة هي « الباعث الدافع » وسد الحاجة هو « الباعث الغائي » ، والذي يعني به الباعث الأخلاقي أكبر عناية هو الباعث الثاني ، أعني « الباعث الغائي » ، وهذا المعنى هو الذي نريد البحث عنه . هل الباعث دائما اللذة ؟ رأى قوم أن تحصيل اللذة هي الغاية التي نرمي إليها ، وبعبارة أخرى أن اللذة دائما هي الباعث على العمل ؛ وفي ذلك يقول ( بنتام ) : « وضعت الفطرة الإنسان تحت حكم اللذة والألم ، فنحن مدينون لهما بكل أفكارنا وإليهما ترجع جميع أحكامنا وجميع مقاصدنا في الحياة ، ومن يدعي أنه أخرج نفسه من حكمها لا يدري ما يقول ، فإن غرضه الوحيد - حتى في اللحظة التي يرفض فيها أعظم اللذائذ ويقبل أشد الآلام - إنما هو طب اللذة والهروب من الألم » . ورأى قوم آخرون أن