أحمد أمين

45

كتاب الأخلاق

وفي العصور الحديثة عادت المسألة إلى الظهور وعاد الخلاف ؛ فذهب بعض الفلاسفة كسبينوزا وهيوم وماليبرانش إلى الجبر . وذهب أكثر الفلاسفة إلى حرية الإرادة وإثبات الاختيار . وقد اتخذ البحث في الأيام الأخيرة شكلا جديدا ، فذهب بعض غلاة الجبر كروبرت أون « 1 » إلى أن الإنسان مجبور ، يجبره ما حوله من الظروف ، فمن نشأ بين مجرمين وسمع أحاديثهم وكان كل ما حوله يدفعه إلى الإجرام كان مجرما لا محالة ، ولم يكن له اختيار في أن يكون مجرما أو لا ؛ ومن نشأ في بيئة طيبة وربي تربية صالحة وأحيط بكل ما يحمله على الخير كان لا شك خيرا ، ومن ثم كان أكبرهم « أون » الإصلاح موجها إلى إصلاح الظروف التي تحيط بالإنسان . وغلا آخرون في الطرف الآخر ، فقالوا : « إن إرادة الناس حرة حرية مطلقة لا تقيدها الظروف ولا غيرها » . والذي نميل إليه إن الإنسان مجبور نوعا من الجبر ، وحر نوعا من الحرية . أما نوع الجبر ، فإن الإرادة خاضعة لعاملين : عامل نفسي وعامل خارجي ؛ فالعامل النفسي هو ما ورثه من آبائه ، فهو يشكل الإرادة بشكل خاص ، بحيث لا تستطيع التخلص منها ، فلو أمرك آمر أن تحب عدوك لكان أمرا غير داخل في مقدورك لأنه ينافي غريزة حب الذات ، ولكن في الاستطاعة أن يأمرك ألا تتعدى على عدوك ، ومن ثم كان فشل كثير من المصلحين « المثاليين » سببه أن نوع إصلاحهم خيالي لا يتفق مع الغرائز الموروثة ، كالذين يدعون إلى إلغاء ملكية الأفراد دفعة واحدة وإحلال الملك العام محلها ، فإن هذا يتنافى مع ما ورثه الناس من قرون من الميل إلى الملك الخاص ، والإصلاح النافذ هو الإصلاح الذي يتمشى مع الغرائز ويرقيها ترقية لا تتناقض دفعة واحدة مع طبيعتها ، والعامل الخارجي هو قوة التربية والبيئة وما قره علماء الاجتماع من أن الإنسان يتأثر في أعماله - إلى درجة كبيرة - بأعمال المجتمع الذي يعيش فيه .

--> ( 1 ) روبرت أول مصلح اشتراكي إنجليزي ( 1771 - 1858 ) وصف سوء حاله العمال ودافع عنهم ، وأعد الأذهان للنظر في شؤونهم والعطف عليهم ، وله كتابات في ذلك وتطبيقات عملية على نظرياته .