أحمد أمين

42

كتاب الأخلاق

وللإرادة نوعان من العمل ، فقد تكون دافعة وقد تكون مانعة ، أعني أنها تارة تدفع قوى الإنسان إلى عمل كأن تحمله على القراءة أو التأليف أو الخطابة ، وتارة تمنع القوى عن المسير كأن تحرم عليه القول أو الفعل . وهي بنوعيها منبع لكل الخيرات والسرور ، فجميع الفضائل والرذائل ناشئة عن الإرادة ، فالصدق والشجاعة والعفة ناشئة إما عن إرادة تدفع قوى الإنسان إلى السير في طريق خاص ، أو من أخرى تمنعها عن السير في طريق معين ، وكذلك الشأن في الكذب وغيره من الرذائل « 1 » . قوة الإرادة : تعنى بالإرادة القوية إرادة تنفذ ما قصدت إليه مهما كلفها من المشاق ، لا تحجم أمام العقبات تعترضها ، وإنما تبذل ما في وسعها لتذليلها ، لا شيء أصعب عندها من عدولها عن قصدها . هذه الإرادة القوية هي سر النجاح في الحياة ، وهي عنوان عظماء الرجال ، إذا أزمعوا أمرا لم يثنهم شيء ، يسلكون إليه كل سبيل ، ويركبون فيه كل صعب ؛ قد كان أحد الحكماء يقول لكل من فشل في عمل : « إنك لم تكن ذا إرادة تامة » . وكانت أثقل الألفاظ على سمع نابليون « أنا لا أعرف » « أنا لا أستطيع » « مستحيل » ، فكان إذا سمعها يصيح « تعلم » « اعمل » « اجتهد » ، وكانت حياته مظهرا من مظاهر عظم الإرادة ، قيل له يوما : « إن جبال الألب ستقف في طريق جيشك » ، فقال :

--> ( 1 ) افتتح « كانت » رسالته الشهيرة في عالم الأخلاق بقوله : « ليس في الدنيا بل ولا خارجها شيء يوصف بأنه طيب من غير قيد ولا شرط إلا الإرادة » ، فالمال والجاه والصحة ونحوها توصف بأنها طيبة بشرط استعمالها في الغايات الطيبة . أما الإرادة الطيبة ، فتكون طيبة من غير قيد ، فهي كما قال « كانت » أيضا : « الجوهرة الوحيدة التي تضيء بنورها الخاص » . ويجب أن نميز بين الإرادة ومجرد الرغبة ، فمجرد الرغبة - أعني مجرد تمني الخير ليس خيرا - ولذلك قال بعضهم : « إن الجحيم مرصوفة بالمقاصد الطيبة » ، فالمقاصد الطيبة ما لم تدعم بالعزم والجد نحو العمل لا قيمة لها ، إنما تعني بالإرادة الطيبة العزم والتصميم على عمل ما يعتقده خيرا والجهاد في إبراز ذلك العمل . والإرادة الطيبة متى تحولت إلى عمل كان هذا العمل طيبا ولو أنتج نتائج سيئة ، فليس يلحظ في العمل الطيب نتيجته ، ولكن تلحظ الإرادة التي أخرجته ، فلا يوجد عمل سيىء من غير إرادة طيبة ، ولكن العمل الطيب في نفسه قد يحدث نتائج سيئة ، والعمل الرديء قد ينتج نتائج حسنة بسبب عوامل أخرى . وسنوضح ذلك عند الكلام على الحكم الأخلاقي .