أحمد أمين

41

كتاب الأخلاق

ويسمى الميل المتغلب « رغبة » ثم يأتي ( 4 ) العزم أو التصميم على العمل ، وهذا العزم هو المسمى بالإرادة ، ثم يتبعها العمل . وليس العمل يتبع الإرادة دائما ؛ فالإنسان قد يعزم على شيء قريب أو بعيد ، ففي الأشياء القريبة المباشرة للعزم يتحول العزم إلى عمل ، كما إذا أراد أن يحرك يده الآن ويأخذ الكتاب الذي أمامه . وأما إذا كان الشيء المراد بعيدا كما إذا عزم أن يذهب غدا إلى مكان كذا أو يتعلم في أول السنة القادمة لغة كذا ، فقد يتحول هذا العزم إلى عمل إذا لم يتغير العالم المستولي على فكره وربما لا يتحول ؛ لأن العالم الذي كان موجودا وقت العزم قد تغير ، والصورة التي كانت مرسومة في الذهن عند الإرادة قد دخل عليها تعديل ، فوجد العزم ولكن لم يوجد العمل عند مجيء وقته . فترى من هذا أن العمل الإرادي يتضمن : ( 1 ) شعورا ، و ( 2 ) ميلا و ( 3 ) ترويا ، و ( 4 ) عزما وهو السعي بالإرادة . ثم العمل بعد ذلك قد يكون وقد لا يكون . ولسنا الآن بصدد تشريح هذه الحركات النفسية تشريحا دقيقا تفصيليا ، فموضع ذلك علم النفس ، وإنما عرضنا أن نبين هنا ما الذي يسمى بالإرادة حتى لا تختلط بغيرها من أعمال النفس . الإرادة قوة : الإرادة قوة من القوى كالبخار أو الكهرباء ، فهي المحرك للإنسان ، وعنها تصدر كل الأعمال الإرادية ، وجميع ملكات الإنسان وقواه تكون في سبات حتى توقظها الإرادة ، فمهارة الصانع وقوة عقل المفكر وذكاء العامل وقوة العضلات والشعور بالواجب ومعرفة ما ينبغي وما لا ينبغي ؛ كل هذه لا أثر لها في الحياة ما لم تدفعها قوة الإرادة ، وكلها لا قيمة لها ما لم تحولها الإرادة إلى عمل .

--> - وقد قال هؤلاء العلماء : إن الميل الذي يغلب هو الميل الذي عالمه أقوى ، وإن كان هو في نفسه ليس الميل الأقوى .