أحمد أمين
37
كتاب الأخلاق
والحقول الخصبة في أمريكا ، استغرقت من المؤلفات فصولا لبيان تأثيرها في حال السكان . ولو أنك غيرت بيئة الأسكيميين ببيئة سكان نيو أنجلند ، أو غيرت بيئة البريطاني ببيئة الحبشي ، لشاهدت تغييرا في الأخلاق كبيرا . وإنا لنستطيع أن نقول : إن مكان ولادة الإنسان ليحدد - إلى درجة ما - كثيرا من صفاته ، أعالم أم حالم ، وكسلان أم مجد ، ومتوحش أم متمدن » . وليس الإنسان مكتوفا أمام البيئة لا يستطيع تعديلها أو التغلب عليها ، بل هو بما منح من عقل وإرادة يستطيع أن يستخدم ما حوله في مصلحته . أو بعبارة أخرى : إن الصفات الموروثة تجد الفرص سانحة لرقيها في البيئة التي حولها . ومقياس نجاح الأشخاص في الحياة أو فشلهم هو قدرتهم على استخدام ما حولهم والتسلط على ما يحيط بهم ليحولوه إلى نفعهم ، ومن أهم أغراض التربية إعداد الشخص في الحياة لذلك . والنوع الثاني من البيئة « البيئة الاجتماعية » ، وهي تشمل النظم الاجتماعية التي تحيط بالشخص من منزل ومدرسة ، ومهنة وحكومة وشعائر دينية ، ومعتقدات ، وأفكار ، وعرف ، ورأي عالم ، ومثل أعلى ، ولغة ، وأدب ، وفن وعلم وأخلاق ، وبالجملة كل ما أنتجته المدنية . والإنسان في بداوته أكثر تأثرا بالطبيعة ، فإذا نال حظا من المدنية كان للبيئة الاجتماعية عليه السلطان الأكبر ، وصار أقدر على تغيير البيئة أو التسلط عليها أو تعديل نفسه على وفقها ؛ ففي الجو الحار يتخذ رقيق الثياب وأبيضها يتقي به أذى الحر ، ويبني بيوته على نمط خاص يرطب الجو ، وإذا لم يكن لبلده مرفأ على البحر يتخذ مرفأ صناعيا ، وإذا لم تكن أرضه صالحة للزراعة استخدم العلم في إصلاح الأرض ، وإذا قصرت القوة الطبيعية في شيء استخدم قوة أخرى طبيعية كالبخار والكهرباء لتعوضه عما فقد ، وعلى الجملة : إن الإنسان - وإن كان يتأثر ببيئته طبيعية كانت أو اجتماعية - بما منح من عقل - يستطيع - إلى حد ما - أن يعين البيئة التي تناسبه ثم يجتهد في خلق تلك البيئة . وللبيئة بنوعيها أثران متضادان ، فقد تغذى الإنسان وترقيه وقد تضعفه وتفنيه ، كالنبات في المنبت السوء لا تزال بيئته به حتى تضعفه أو تميته ، وفي المنبت