أحمد أمين

38

كتاب الأخلاق

الصالح يربو وينبت من كل زوج بهيج وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [ الأعراف : الآية 58 ] ؛ كذلك الإنسان ، إن نشأ في بيئة صالحة من بيت طيب ومدرسة راقية ورفقة مؤدبة ، يحكمه قانون عادل ويدين بدين صحيح ، نبت خير منبت وكون أحسن تكوين ، وإلا فما أحراه أن يكون شريرا - وكثير من الأمراض الاجتماعية والأخلاقية سببه البيئة ، فالفقر وكثرة المتسولين والعجزة وسوء الخلق نتيجة تربية فاسدة - غالبا - ونشأة في بيت غير صالح وسوء نظام المجتمعات ، ولذلك ترى المجرمين من سرقة وكسالى وقتلة من أولاد الشوارع والحارات الذين لم يتخرجوا من بيت طيب ولا مدرسة صالحة ، أهملوا فأثرت البيئة فيهم أسوأ الأثر . العلاقة بين الوراثة والبيئة : لم يبق مجال للشك في أن الوراثة والبيئة معا يحددان قيمة كل جسم حي ونجاحه أو خيبته ، وإنما موضع الخلاف الآن القيمة النسبية لكل من الوراثة والبيئة ، أعني أيهما أكبر تأثيرا في الكائن الحي وأعمل في رقيه ؛ وقد اهتم الباحثون العصريون بهذا الموضوع لما يترتب عليه من الإصلاحات الاجتماعية وذهبوا فيه مذهبين : فذهب بعض العلماء وعلى رأسهم فرنسيس جالتون ) sisnarF notLaG ( وكارل بيرسن ) nosraeP lraK ( إلى أن الوراثة أكبر مؤثر في الإنسان ، وليست البيئة إلا عاملا ضعيفا إذا قيست بالوراثة - قالوا : - « بالوراثة يقدر على الإنسان نوع نفسه من يوم ولادته ، وبها تصاغ أخلاقه ، وبها تحدد بنيته ، وبها يعين مقدار عقله ، وأهم ما يساعد على رقي النوع الإنساني هو إصلاح الوراثة بإصلاح الانتخاب بين الزوجين ومنع التوالد بين من لا يصلحون للإنتاج طبيعيا أو خلقيا » . وذهب كثير من علماء الحياة والاجتماع - وخاصة المحدثين منهم - إلى أن ما نسب إلى الوراثة من القيمة الكبرى أكبر من الحقيقة ، فأكثر العيوب الجسمية سببه البيئة لا الوراثة ، وأن أكثر من ثمانين في المائة من الأطفال يولدون صحيحي البنية والبيئة هي التي تمرضهم ، وكذلك الطفل يولد مسلحا بالعقل المرن القابل للنمو وحسن الاستعداد ، وهذا هو ما يمنحه بالوراثة ، ولكن رقي هذه المواهب يعتمد على البيئة ، وإذا نحن أزلنا الظروف السيئة التي تحيط بالأشرار صلح أكثرهم ، وليس الإجرام - كما يقول بعضهم - مسألة وراثة ، بل هو