أحمد أمين
36
كتاب الأخلاق
المكتسبة التي حصلها الإنسان في حياته ولم يرثها عن أب وجد ؛ فذهب بعض العلماء ومنهم « درون » و « لا مارك » و « هربرت سبنسر » إلى أن الأوصاف المكتسبة قد تورث إلى حد محدود ، فابن المصاب بعاهة عرضة لأن يصاب بها ، وابن من اكتسب فرعا من فروع العلم أو خلقا من الأخلاق أقرب لأن يتصف به ممن لم يولد من أب ، كذلك إذا استوى المولودان في الصفات الأساسية ، وأنكر أكثر علماء الحياة انتقال ما يكتسبه الفرد في حياته إلى فروعه كما هو الشأن في الأمراض والعاهات الطارئة ؛ كما أن من فقد ذراعه أو إحدى عينيه أنتج أولادا غير متأثرين بتلك العاهة ، فكذلك من اكتسب صفة من الصفات العقلية أو الخلقية لا يورثها بنيه . وليست الوراثة هي العامل الوحيد في تكوين الإنسان ، فبجانبها البيئة وهي عامل آخر قوي يعمل معها ويصلحها أو يفسدها كما سنبين ذلك . البيئة : تطلق البيئة على الأشياء التي تحيط بالجسم الحي فينمو فيها ، فبيئة النبات تربته وجوه الخ ، وبيئة الإنسان ما يحيط به من بلد وبحار وأنهار وجو وقوم . وهي إما بيئة طبيعية ( مادية ) وإما اجتماعية أو ( روحية ) . أما البيئة الطبيعية ، فقد عنى الكتاب من عهد أفلاطون إلى يومنا هذا بشرحها وبيان تأثيرها ، وكتب عنها ابن خلدون في مقدمته ، فالجسم الحي يتوقف نموه بل وحياته على حالة البيئة التي يعيش فيها ، فإن لم تكن صالحة له ضعف ومات ، فللهواء والضوء والجو ومعادن الأرض وموقع البلاد وما فيها من بحار وأنهار ومرافىء وكل المرافق تأثير في صحة السكان وحالتهم العقلية والخلقية ؛ فالجسم الحي إذا لم تمده البيئة بحاجاته المناسبة له وقف نموه ، وليس حياة الجسم إلا تفاعلا بينه وبين بيئته ، كذلك الشأن في الحياة العقلية ، فهي ليست إلا تفاعلا بين العقل وما يحيط به ، فالعقل لا يبقى ولا يرقى إلا بتفكيره فيما حوله واستفادته من البيئة التي تحيط به . قال أحد الكتاب المحدثين : « إن المؤرخين من عهد بعيد قد أبانوا ما للأقاليم وسائر الأشياء الجغرافية من عظم التأثير في رقي الشعوب ؛ فالجبال وطول الشواطىء في بلاد اليونان والهضاب السبع في روما والشتاء القارس والليل الذي يحتمل في جرينلند ، والشمس المحرقة والحر الشديد في إفريقيا ،