أحمد أمين
103
كتاب الأخلاق
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [ النحل : الآية 90 ] ، مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) [ النحل : الآية 97 ] . وإن الله لم يأمر بما أمر اعتباطا ولا نهى عما نهى كذلك ، بل إن الله جعل صلاح الدنيا يتوقف على أمور : من عدل وصدق وأمانة ، وجعل فسادها بأضدادها ، فأمر بما يتوقف عليه صلاح الدنيا وانتظام شؤونها ، ونهى عما يسبب فسادها : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ البقرة : الآية 219 ] ، إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [ المائدة : الآية 33 ] . وما توقفت عليه مصلحة الناس ، وبدونه يفسد نظامه ؛ كالمحافظة على الأرواح والأموال أمر به أمرا لا هوادة فيه وسماه فرضا ، ومن أجل هذا أعظم عقوبة القاتل والسارق ، وما تترتب عليه رفاهية الناس فحسب طالب به مطالبة دون الأولى وندب إليه ؛ كعيادة المرضى . البحث العلمي عند العرب : - قل من العرب - حتى بعد أن تحضروا - من بحث في الأخلاق بحثا علميا ؛ ذلك لأنهم قنعوا أن يأخذوا الأخلاق عن الدين ولم يشعروا بالحاجة إلى البحث العلمي في أساس الخير والشر ، ولذلك كان الدين عماد كثير ممن كتبوا في الأخلاق ، كما ترى في كتاب الإحياء للغزالي وأدب الدنيا والدين للماوردي . وأشهر من بحث في الأخلاق بحثا علميا أبو النصر الفارابي المتوفى سنة 339 ه ، وإخوان الصفاء في رسالة من رسائلهم ، وأبو علي بن سينا ( 370 - 428 ه ) ، وكان هؤلاء قد درسوا الفلسفة اليونانية ، فكان فيما درسوا آراء اليونان في الأخلاق . ولعل أكبر باحث عربي في الأخلاق ابن مسكويه المتوفى سنة 421 ه ألف فيها كتابه المشهور ( تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ) ، بحث فيه بحثا علميا وحاول أن يمزج فيه تعاليم أفلاطون وأرسطو وجالينوس بتعاليم الإسلام ، وكان لتعليم أرسطو الغلبة ، وكثيرا ما يعزو إليه قطعا في كتابه ، وقد اقتبس منه كثيرا من أبحاثه في النفس .