أحمد أمين
104
كتاب الأخلاق
ولكن لم يسر كثير من علماء العرب على منواله ، وحبذا لو كانوا توسعوا في نظرياته واستدركوا ما فاته ، وأحلوا ما تثبت صحته من العلم الحديث محل ما يظهر بطلانه من القديم . علم الأخلاق في العصور الحديثة : في النصف الأخير من القرن الخامس عشر ابتدأت النهضة في أوروبا ، وأخذ العلماء يحيون فلسفة اليونان القديمة ، وابتدأ ذلك في إيطاليا ثم عم أوروبا جميعها . استيقظ العقل من سباته ، فأخذ يعرض كل شيء للنقد والبحث ويرفع لواء حرية الفكر . وابتدأ ينظر إلى الأشياء نظرا جديدا ويقومها تقويما جديدا . ومما عرضه للنقد والبحث قضايا الأخلاق التي وضعها اليونان ومن بعدهم ، فنقدها العلماء الحديثون وتوسعوا في بحثها مستعينين بما استكشف من قضايا علوم أخرى كعلوم النفس والاجتماع ، ومالوا في بحثهم إلى الواقع ، والحقيقة لا الخيال وراموا إظهار كل ما في الإنسان من قوى وملكات بالحياة العلمية في هذا العالم ، وقد أنتج هذا النظر الجديد تغييرا في قيمة الفضائل ، فلم يعد لفضيلة الإحسان مثلا تلك القيمة الكبرى التي كانت لها في القرون الوسطى ، وصار ( للعدل الاجتماعي ) قيمة لم تكن له من قبل . واتجه النظر إلى ضرورة إصلاح ما يحيط بالشباب والمرأة والطفل من النظم حتى يصلح الفرد ، وكان للأبحاث الجديدة فضل في تقرير الحقوق والواجبات وإشعار الفرد بعظم مسؤوليته أمام المجتمع وأمام نفسه . ويعد ديكارت الفيلسوف الفرنسي ( 1596 - 1650 م ) مؤسس الفلسفة الحديثة ، فقد وضع للعلم والفلسفة مبادئ جديدة للسير عليها ، أهمها : 1 - عدم التسليم بشيء ما لم يفحصه العقل ويتحقق من وجوده ، فما كان مبنيا على الحدس والتخمين وما كان منشؤه العرف فقط يجب أن يرفض . 2 - يجب أن نبتدىء عند البحث بأبسط الأشياء وأسهلها ، ثم نتوصل منها إلى ما هو أكبر تركبا وأغمض فهما حتى نصل إلى المقصود .