أحمد أمين

102

كتاب الأخلاق

الأخلاق في القرون الوسطى : كانت الفلسفة - ومنها علم الأخلاق - مضطهدة في القرون الوسطى في أوروبا ، فقد كانت الكنيسة تحارب فلسفة اليونان والرومان وتعارض في نشر العلم والمدنية القديمين ؛ لأنها اعتقدت أن الحقيقة قد وصلت إليها من الوحي المعصوم ، فما أمر به فخير وما قال به فحق ، فلا معنى بعد للبحث عن الحقيقة ؛ وكان يسمح بقدر محدود من الفلسفة لتأييد العقائد الدينية وتحديدها وتنظيمها ، فكان بعض رجال الدين يبحث في فلسفة أفلاطون وأرسطو والرواقيين لتأييد التعاليم المسيحية وتطبيقها على العقل ، وما يعارض النصرانية منها كان ينبذ نبذا ، وكان كثير من آباء الكنيسة فلاسفة بهذا المعنى . وفلاسفة الأخلاق الذين ظهروا في هذا العصر كانت فلسفتهم مزيجا من تعاليم اليونان وتعاليم المسيحية ؛ ومن أشهرهم أبيلرد فيلسوف فرنسي ( 1079 - 1142 ) ، وتوماس أكويناس فيلسوف لاهوتي إيطالي ( 1226 - 1374 ) . الأخلاق عند العرب : لم يعرف للعرب في جاهليتهم فلاسفة دعوا إلى مذاهب معينة كالذي رأيناه عند اليونان من أبيقور وزينون وأفلاطون وأرسطو ؛ لأن البحث العلمي لا يكون إلا حيث تعظم المدنية . إنما كان عند العرب حكماء وبعض شعراء أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحثوا على الفضائل وحذروا من الرذائل المتعارفة لعهدهم ، كما ترى في حكم لقمان وأكثم بن صيفي وأشعار زهير بن أبي سلمى وحاتم الطائي . الإسلام : حتى جاء الإسلام فدعا إلى الاعتقاد بأن الله مصدر كل شيء في العالم ، فما في الكون من ظواهر مختلفة ومخلوقات متنوعة من الحبة في ظلمات الأرض إلى السماء ذات البروج ، فإنما عنه صدر ، وبه قام وانتظم . وكما خلق الإنسان وضع له نظاما يتبعه وطريقا يسير عليه وشرع له أمورا من صدق وعدل أمره باتباعها وجعل السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة جزاء من اتبعها . وجعل عكسها من كذب وظلم ورذائل نهى عنها وحذر من ارتكابها ، وجعل الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة عقوبة من ارتكبها : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ