أحمد أمين
101
كتاب الأخلاق
وأرسطو هو واضع نظرية الأوساط ، أي أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين ؛ كالكرم وسط بين السرف والبخل ، والشجاعة وسط التهور والجبن ، وسنوضح ذلك عند الكلام على الفضيلة . ( الرواقيون والأبيقوريون ) جاء هؤلاء فرقوا البحث في الأخلاق ، وبنى الرواقيون ) sciotS ( مذهبهم على مذهب الكلبيين ، وقد شرحنا مذهبهم قبل ؛ غير أنا نقول هنا : إن هذا المذهب الرواقي اعتنقه كثير من فلاسفة اليونان والرومان واشتهر من أتباعه في صدر الدولة الرومانية سنيكا ( 6 ق . م - 65 ب . م ) ، وأيبكتيتس ( 60 - 140 ب . م ) ، والإمبراطور مرقس أورليوس ( 121 - 180 ب . م ) . أما الأبيقوريون ، فبنوا تعاليمهم على تعاليم القورينائيين ومؤسس مذهبهم أبيقور ) surucipE ( الذي ذكرنا قبل مذهبه ، وقد تبعه في العصور الحديثة الفيلسوف الفرنسي « جسسندي » ( 1592 - 1655 ) ، وفتح مدرسة في فرنسا أحيا فيها تعاليم أبيقور وتخرج فيها موليير وكثير من مشهوري الفرنسيين . وفي أواخر القرن الثالث للميلاد انتشرت النصرانية في أوروبا ، فتغيرت الأفكار ونشرت أصول الأخلاق التي وردت في التوراة وعلمت الناس أن الله مصدر الأخلاق ، فهو الذي يضع لنا القواعد نراعيها في معاملاتنا ، وتبين لنا الخير من الشر ، والخير كل الخير في إرضاء الله وتنفيذ أوامره ، وقد أقامت الأولياء والقديسين مقام الفلاسفة عند اليونان الوثنيين ، وافقت النصرانية في بعض تعاليمها فلاسفة اليونان ولا سيما الرواقيين ، ولم تخالفهم كثيرا في تقويم الأشياء خيرها وشرها ، وإنما أهم ما خالفتهم فيه النظر إلى الباعث النفسي على المعاملة ، فعند فلاسفة اليونان كان الباعث على عمل الخير المعرفة أو الحكمة مثلا ، وعند النصرانية إنما ينبعث عمل الخير من حب الله والإيمان به . كانت النصرانية تطلب من الإنسان أن يجتهد في تطهير نفسه فكرا وعملا ، وتجعل للروح سلطانا تاما على البدن وعلى الشهوات ، ولذلك غلب على أتباعها الأولين احتقار البدن واعتزال العالم والميل إلى الزهد والتنسك والرهبانية .