محمد نبي بن أحمد التويسركاني

127

لئالي الأخبار

اتى بيت المقدس فنظر إلى المجتهدين من الأحبار ، والرهبان ، عليهم مدارع الشعر وبرانس الصوف ، وإذا هم قد خرقوا تراقيهم وسلكوا فيها السلاسل وشدوها إلى سواري المسجد فلما نظر إلى ذلك اتى إلى أمه فقال : يا أماه انسجى لي مدرعة من شعر وبرنسا من صوف حتى آتى بيت المقدس فأعبد اللّه فيها مع الأحبار والرهبان ، فقالت له أمه حتى يأتي نبي اللّه وأوامره في ذلك ، فلما دخل زكريا أخبرته عن مقالة يحيى فقال زكريا : وما يدعوك لهذا وانما أنت صبي صغير ؟ فقال له : يا أبت ما رأيت من هو أصغر منى وقد ذاق الموت ؟ قال : بلى ثم قال لامه : انسجى مدرعة من شعر وبرنسا من صوف ففعلت فتدرع بالمدرعة على بدنه ووضع البرنس على رأسه ثم أتى بيت المقدس فأقبل يعبد اللّه مع الأحبار حتى اكلت مدرعة الشعر لحمه فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه فبكى فأوحى اللّه اليه : يا يحيى أتبكى مما قد نحل من جسمك فو عزتي وجلالي لو اطلعت على النار اطلاعة لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المسوح ، فبكى حتى اكلت الدموع لحم خديه وبدا للناظرين أضراسه فبلغ ذلك أمه فدخلت عليه واقبل زكرياء واجتمع الأحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خديه فقال : ما شعرت بذلك . فقال زكريا يا بنى ما يدعوك لهذا ؟ انما سئلت ربى ليهبك لي ليقربك عيني قال أنت امرتني بذلك يا أبة قال يا بنى ومتى ذلك ؟ قال : لست القائل ان بين الجنة والنار عقبة لا يجوزها الا البكائون من خشية اللّه ؟ قال : بلى فجد واجتهد وشأنك غير شأني فقام يحيى فقبض مدرعته فأخذته أمه فقالت : أتأذن لي يا بنى أن اتخذ لك قطعتى لبوديواريان اضراسك وينشفان دموعك فقال لها : شأنك فاتخذت له قطعتى لبود يواريان أضراسه وينشفان دموعه حتى ابتلتا من دموع عينيه فحسر عن ذراعيه ثم اخذهما يعصرهما فتحدر الدموع من بين أصابعه فنظر زكريا إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهم هذا ابني وهذا دموع عينيه وأنت ارحم الراحمين وكان زكريا إذا أراد ان يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالا فإذا رأى يحيى لم يذكر جنة ولا نارا . فجلس ذات يوم يعظ بني إسرائيل وأقبل يحيى قد لف رأسه بعباء فجلس في غمار