محمد نبي بن أحمد التويسركاني
33
لئالي الأخبار
وقال بعض : الزهد خروج النفس عن حلاوة اللّذات الجسماني والمتاع الدنيوي وحقيقته خروج حب ما سوى اللّه عن القلب . أقول : اليه يومى قوله كما مر ما منزلة الدنيا من النفس الا منزلة الميتة إذا اضطرت إليها أكلت منها ، وقوله عليه السّلام في جواب من سئله عن حقيقة الزهد في الدنيا : انه من يقنع بدون قوته ويستعد ليوم موته ، وفي معاني الأخبار الزاهد من يحب ما يحبه خالقه ويبغض ما يبغضه خالقه ، ويخرج من حلال الدنيا ، ولا يلتفت إلى حرامها ، وفي حديث عن النبي صلى اللّه عليه واله عن جبرئيل حين سئله عن تفسير الزهد قال : يحب ما يحب خالقه ، ويبغض ما يبغض خالقه ويتحرج من حلال الدنيا ولا يلتفت إلى حرامها ، فان حلالها حساب وحرامها عقاب ، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ، ويتحرج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام ويتحرج من كثرة الاكل كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ، ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن يغشاها وان يقصر امله وكان بين عينيه اجله . وسئل علي بن الحسين عليه السّلام عن الزهد فقال : عشرة أشياء : فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا ، الاوان الزهد في آية من كتاب اللّه : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » وقال الزهد كله بين كلمتين من القران قال اللّه تعالى « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالاتى فقد اخذ الزهد بطرفيه . أقول : سيأتي لذلك بيان وتفسير في لؤلؤ ما يرغبك في الزهد يورث ترك السعي للدنيا ، ثم أقول : ويجمع الزهد مخالفة ما يشتهيه النفس فلا تغفل عنها قال أبو جعفر عليه السّلام قال اللّه : وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائى وعلو ارتفاعى لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هويه في شئ من أمر الدنيا الا جعلت غناه في نفسه ، وهمه في آخرته ، وضمنت السماوات والأرض رزقه ، وكتبت له من وراء تجارة كل تاجر ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه واله : لا يجد الرجل حلاوة الايمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما وجد حلاوة حب اللّه فلم يشتغل بغيره وقال : من زهد في الدنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه ، ونطق بها لسانه ، وبصره عيوب الدنيا ودوائها