محمد نبي بن أحمد التويسركاني
10
لئالي الأخبار
بقوله : اتبع السيّئة الحسنة تمحها ، وإن الحسنات يذهبن السيّئات ، فإذا لا يستغنى العبد في حال من الأحوال عن محو أثار السيئات والشهوات عن قلبه بمباشرة حسنات تضادها وهذا الواجب ليس من باب الواجب الشرعي . بل هو الوجوب الشرطي بمعنى أنه لا يمكن التوصل إلى درجات المقربين الا به ، وللنظر إلى هذا رفض الأولياء ملاذ الدنيا بالكلية أقول : يجيىء عن بعض الأكابر أنه قال : كل شئ خطر على القلب سوى اللّه ، حصل منه نقش في القلب شاغل عن النقوش الغيبية والمشاهدات الروحانية ، فلذا وجب نفى الخواطر للسالك . وقال الفيض رحمه اللّه : ان الرغبة في حظوظ الدنيا المباحة ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب فكل من كان معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد وقال بعض السالكين : التوبة أول منازل السالكين وواجبة على كل حال وفي جميع الأحوال بمعنى أنه لا بد منها في الوصول إلى السعادات الأخروية ، لان الانسان لا يخلو من ذنب أو هم أو غفلة أو قصور في معرفة مجلب للغين والظلمة ، محوج إلى الاستغفار عند الارتقاء إلى مقام فوقه . وقال النبي صلى اللّه عليه واله : إني ليغان على قلبي وإني لاستغفر اللّه في كل يوم سبعين مرة . وفي رواية قال : إني لاستغفر اللّه في كل يوم مائة مرة . وإذا دام الغين صار رينا وطبعا وفسدت مرءاة القلب فلا يتجلى فيه أنوار المعارف ، فيحصل الشقاوة فيحتاج إلى صيقل يمحوها فيتجلى فيه أنوار المعارف ، فيحصل بواسطة ذلك السعادات الأبدية ، وذلك الصيقل هو التوبة على وزان محو الصابون درن الثوب ، قال اللّه تعالى : « إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » وقال النبي صلى اللّه عليه واله : لو عملتم الخطايا حتى تبلغ إلى السماء ثم ندمتم لتاب اللّه عليكم . والذنوب ما يحجبك عن اللّه من مراتب الدنيا والآخرة . فالواجب للطالب الخروج عن كل مطلوب سواه حتى الوجود « مصرع » وجودك ذنب لا يقاس به ذنب . فان النظر بالوجود من أعظم المعاصي كما في حكاية الشيطان ، وقوله صلى اللّه عليه واله : وانى لاستغفر كل يوم سبعين مرة ناظر إلى هذه المرتبة ، لوضوح أنه صلى اللّه عليه واله في كل آن كان يترقى إلى ما فوق ما كان فيه فيتوب مما كان فيه ويترقى إلى ما فوقه ، وبعبارة أخرى لما كان لكل مقام من مقامات السير إلى اللّه سيئات بالنسبة إلى مقام فوقه ، كما أشار اليه قوله : حسنات الأبرار سيئات المقربين فيجب على السالك استعمال التوبة عن سيئات كل مقام يكون فيه المترقى إلى ما فوقه ضرورة أنه ما لم يتب عن سيئات مقام كان فيه ولم يتركها لم يمكنه الدخول إلى ما فوقه