السيد عبد الله شبر
240
الأخلاق
( الثاني ) ان جميع ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى علينا من نعم اللّه ، إذ جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وداعيتنا وسائر الأمور التي هي أسباب حركتنا ونفس حركتنا من خلق اللّه تعالى ونعمته ، فكيف نشكر نعمته بنعمته ؟ ولو أعطانا الملك مركوبا فأخذنا مركوبا آخر له وركبناه ، وأعطانا مركوبا آخر لم يكن الثاني شكرا للأول منا بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول ، ثم لا يمكن شكر الشكر الا بنعمة أخرى فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشكر محالا في حقه تعالى ، وقد ورد الشرع به فكيف طريق الجمع بينهما ؟ فاعلم أن هذا الخاطر قد خطر لداود أو لموسى على اختلاف الروايتين ففي الكافي عن الصادق عليه السلام قال : أوحى اللّه عز وجل إلى موسى : يا موسى اشكرني حق شكري . فقال : يا رب وكيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر أشكرك به الا وأنت أنعمت به علي . قال : يا موسى الآن شكرتني حيث علمت أن ذلك مني . وفي حديث آخر : وشكري لك نعمة أخرى منك توجب الشكر لك . فقال تعالى : إذا عرفت ان النعم مني رضيت منك بذلك شكرا . وعن السجاد عليه السلام انه كان إذا قرأ هذه الآية « وان تعدوا نعمة اللَّه لا تحصوها » قال : سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه الا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة ادراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه . والجواب عن الأول : ان طلب اللّه من عباده الشكر كسائر التكاليف يرجع نفعه إليهم لا إليه . وان أردت إيضاح ذلك فاعلم أن ملكا من الملوك لو أرسل إلى عبد قد بعد عنه مركوبا وملبوسا ونقدا لأجل زاده في الطريق حتى يقطع به مسافة البعد ويقرب من حضرة الملك ، فذلك الملك يتصور له حالتان : الأولى ان