السيد عبد الله شبر
234
الأخلاق
( أما العليا ) فهو ان يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس وتصيبه الجراحة ولا يدرك ألمها ، وشاهده في عالم الأجسام الرجل المحارب ، فإنه في حال غضبه أو خوفه قد يصيبه جراحات عظيمة ولا يحس بها ولا بألمها ، فإذا رأى الدم استدل به على الجراحة ، وكذلك الذي يعدو في شغل أو حاجة قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بالألم لاشتغال قلبه ، وإذا اشتغل القلب وضار مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه ، وكذا العاشق والمحب إذا أصابه ألم - سيما من المحبوب - لا يدركه لاستيلاء الحب عليه . ( واما المرتبة السفلى ) فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له بعقله وان كان كارها له بطبعه نظرا إلى ثوابه الذي أعد له . ونظيره في عالم الأجسام الذي يلتمس من الفصاد الفصد ومن الحجام الحجامة ومن الطبيب الدواء المر ، فإنه يدرك ألمه الا انه راض به راغب فيه متقلد فيه المنة لما يعلم من العاقبة . وقد حكي ان امرأة عثرت فانقطع ظفرها وسال الدم فضحكت ، فقيل لها : أما تألمت ؟ فقالت : لذة الأجر انستني الألم . ويروى ان أهل مصر كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجه يوسف ( ع ) فيشغلهم جماله عن الإحساس بألم الجوع . وفي القرآن ما هو أبلغ من ذلك ، وهو قطع النسوة أيديهن ولم يحسسن بذلك لما نظرن إلى جماله عليه السلام . واعلم أن الدعاء غير مناقض للرضا ، لأنه عبادة تعبدنا اللّه بها وجعل من لم يدعه مستكبرا عليه مستحقا للعذاب ، فقال تعالى : « ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين » . وكذا تعبدنا اللّه بانكار المعاصي وكراهتها ، فروي ان من شهد منكرا ورضى به فكأنه قد فعله . وفي آخر : لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضى بقتله آخر