محمد حسن بن معصوم القزويني

174

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء

. . . الحديث » . « 1 » وناهيك دالا على فضله أنه القامع للشهوات الذابّ عن السيّئات الباعث على الطاعات ، فإن السقيم إذا خاف طول السقام احتمى عمّا يضرّه من الطعوم ، والعالم بإهلاك السمّ يمتنع عن أكل الطعام المسموم . ثم إنه لا يتحقّق إلّا من انتظار مكروه إمّا لذاته كخوف الموت وسكراته وما يترتّب عليه من هول المطّلع وسؤال القبر وعذابه والحياء عن اطلاع أهل المحشر عن فضائح أعماله والحساب والصراط وعذاب النار والحرمان عن نعيم دار القرار والنقصان عن درجة المقرّبين والأبرار والبعد والاحتجاب عن ربّ الأرباب ، وهو خوف الزاهدين والعابدين . وإمّا لغيره كالموت قبل التوبة عن ذمائم أخلاقه وأعماله ، أو نقضها قبل الموت ، أو ضعفه عن استيفاء « 2 » حقوق اللّه ، أو الاشتغال عن اللّه بغيره ، أو البطر والاستدراج بتواتر النعم والاغترار بالدنيا أو تعجيل العقوبة فيها ، أو غفلة عن القبائح ، أو سوء الخاتمة وهو من أعظم المخاوف الذي قطع قلوب السالكين العارفين بخطره ، وأعلى منه خوف السابقة لكونه أدلّ على كمال المعرفة لكون الخاتمة فرعها ومظهرها ، ولذا ورد : « الشقيّ شقيّ في بطن أمّه ، والسعيد سعيد في بطن أمّه » . « 3 »

--> ( 1 ) الكافي : 2 / 70 ، كتاب الايمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، ح 9 . ( 2 ) في نسخة « ب » : استقصاء . ( 3 ) الجامع الصغير : 2 / 37 ، توحيد الصدوق : 356 ، واعلم أنّه ليس معنى الحديث أنّ السعادة والشقاوة أمران مقدّران أزليّان قاهران على الانسان - شاء أم لا - ولا يمكن الفرار عنهما أبدا ، إذ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ولسقط الوعد والوعيد ولم يكن حكمة في إرسال الرسل وإنزال الكتب ، بل معناه - كما عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السّلام - أنّ الشقي من علم اللّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل عمل الأشقياء وكذا السعيد ، وقول ذلك البعض الّذي يخاف من الأول إن رجع إلى الخوف من علم اللّه المتعلّق بأفعال العباد باختيارهم فهو ، وإلّا فذلك قول الأشاعرة من العامّة ولا ينبغي عدّه معرفة فضلا عن كمالها .