محمد حسن بن معصوم القزويني
175
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
وقال بعضهم : الناس يخافون من اليوم الآخر وأنا أخاف من الأوّل . فظهر أنّه تابع للمعرفة واليقين ، فكلّما حصّل علما بالمخوف عنه حصّل خوفا مثمرا للاجتناب عن المفضي إليه ، وكلّما ازداد يقينا بمواعيده تعالى وما له من الصفات والأفعال وبعيوب النفس وما أعدّ لها من الأخطار والأهوال زاد خوفه وخشوعه وتذلّله وخضوعه إلى أن يبلغ مبلغا لا يكون له همّ إلّا المجاهدة والمراقبة ومؤاخذة النفس دائما بالمحاسبة ، كما لا همّ لمن وقع في مخالب السبع الضاري إلّا استخلاص نفسه منه ، كما كان حال الخلّص من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين . قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « أما واللّه لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب البعير يبيتون لربّهم سجّدا وقياما ، يراوحون بين أقدامهم وجباههم ، يناجون ربّهم في فكّ رقابهم من النار ، واللّه لقد رأيتهم مع هذا خائفين ، مشفقين ، وكأنّ زفير النار في آذانهم إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما يميد الشجر ، كأنّما القوم باتوا غافلين ، فما رئي أمير المؤمنين بعد ذلك ضاحكا حتّى قبض » . « 1 » ثم ربما تبلغ المعرفة بصاحبها في الخوف مبلغ الصدّيقين ، وهو الاستغراق في بحار عظمة اللّه وجلاله فيصير مدهوشا والها دائما . ويسمّى هذا القسم من الخوف في اصطلاح السالكين خشية ورهبة . وله أيضا مراتب بحسب اختلاف المعرفة الحاصلة في تلك المرتبة لعدم تناهي صفاته الجمالية والجلالية ، وقصور النفس عن الإحاطة بغير المتناهي مع العجز عن تحمّلها ، كيف ولو تجلّى ذرّة منها على أكمل العقول التامّة
--> ( 1 ) خلط المصنّف هنا بين روايتين : الأولى الرواية 21 من باب المؤمن وعلاماته من كتاب الايمان والكفر من الكافي ، وهذه الرواية تنتهي إلى قوله : « مشفقين » ، على أنّ في الكافي : « وهم خائفون مشفقون » بدل « خائفين مشفقين » وفيه أيضا « كركب المغرى » بدل « كركب البعير » ، والثانية ذيل الرواية 22 من نفس الباب وفيه بعد قوله « غافلين » : « قال ( أي الراوي وهو عليّ بن الحسين عليهما السّلام ) : ثمّ قام فما رئي ضاحكا حتّى قبض صلوات اللّه عليه » .