محمد حسن بن معصوم القزويني

113

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء

فكلّ العلوم لها مدخل في السلوك إلى اللّه تعالى ، ولها منازل في القرب والبعد عن المقصود ، والقوّام بها حفظتها كحفظة الثغور ، ولكلّ رتبة ، وبحسب رتبته أجر إن قصد به وجه اللّه تعالى . وسادسها : أن لا يأخذ فرقة من فنون العلم دفعة ، بل يراعي الأهمّ ، لأنّ مقتضى الحزم مع كثرتها وقصر العمر الأخذ من أحسن كلّ شيء ، وخلاصته ، وصرف جمام قوّته في الميسور من علمه إلى استكمال الأشرف ، أعني علم الآخرة وهو بحر لا ينزف . وسابعها : أن يعرف وجه شرافة بعض العلوم على بعض ، وأنه إمّا شرافة ثمرته أو وثاقة دليله ، كعلم الدين والطبّ ، فإنّ ثمرة أحدهما الحياة الفانية ، والآخر الحياة الباقية ، وهي أشرف ، ولو تعارضا فالأولى أولى . وثامنها : صدق النيّة في التعلّم ، بأن يقصد في الحال تحلية باطنه بفضيلة العلم ، وفي الآجل السعادة الأبديّة دون الرئاسة والمال وغيرهما ، فإذا طلب علما فلا يستحقر غيره ، ولا يفهم من الثناء على علم الآخرة خسّة سائر العلوم وحقارتها ، فإنّ المتكفّلين لها كالمرابطين للثغور والغزاة مجاهدون في سبيل اللّه ، فمنهم المقاتل ومنهم السقاء وحافظ الدوابّ ، ولكلّ أجر إذا كان قصده إعلاء كلمة اللّه دون حيازة الغنائم ، فكذلك العلماء . قال اللّه تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ . « 1 » فاستحقار الصيارفة بالنظر إلى الملوك لا يدلّ على حقارتهم بالنسبة إلى الكنّاسين ، فالدرجة العليا للأنبياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ العلماء على اختلاف طبقاتهم فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، « 2 » ومن قصد اللّه بأيّ علم رفعه لا محالة .

--> ( 1 ) المجادلة : 11 . ( 2 ) الزلزلة : 7 .