مرتضى الزبيدي

697

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

أهل السماوات والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه . فإن قلت : فالذنوب هي أعمال مشتهاة بالطبع فكيف يجد مرارتها ؟ فأقول : من تناول عسلا كان فيه سم ولم يدركه بالذوق واستلذه ثم مرض وطال مرضه وألمه وتناثر شعره وفلجت أعضاؤه فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم وهو في غاية الجوع والشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا ؟ فإن قلت : لا ، فهو جحد للمشاهدة والضرورة ، بل ربما تنفر عن العسل الذي ليس فيه سم أيضا لشبهة به ، فوجد أن التائب مرارة الذنب كذلك يكون ، وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ، ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان . ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون ، فلا ترى إلا معرضا عن اللّه تعالى متهاونا بالذنوب مصرّا عليها ، فهذا شرط تمام الندم وينبغي أن يدوم إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل ، كما يجد متناول السم في العسل النفرة من الماء البارد مهما علم أن فيه مثل ذلك السم ، إذ لم يكن ضرره من العسل بل مما فيه ، ولم يكن ضرر التائب