مرتضى الزبيدي

66

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فقيل : يا رسول اللّه : إلا من ؟ فقال : « إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض المدحة واستحب المذمة » ، وهذا شديد جدا ، وغاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية ، وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام والمادح ، ولا يظهر ذلك بالقول والعمل ، فأما الحالة الثالثة وهي التسوية بين المادح والذام فلسنا نطمع فيها . ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية ، فإنها لا تفي بها ، لأنها لا بدّ وأن نتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته ، وتتثاقل على إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجه ، ولا نقدر على أن نسوي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب ، ومن قدر على التسوية بين المادح والذام في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمان إن وجد فإنه الكبريت الأحمر يتحدث الناس به ولا يرى ، فكيف بما بعده من المرتبتين ؟ وكل واحد من هذه الرتب أيضا فيها درجات . أما الدرجات في المدح ؛ فهو أن من الناس من يتمنى المدحة والثناء وانتشار الصيت ، فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن حتى يرائي بالعبادات ولا يبالي بمقارفة المحظورات لاستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم بالمدح وهذا من الهالكين .