مرتضى الزبيدي
591
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
مبادئ روائحها علم أن لزوم التوبة النصوح ملازم للعبد السالك في طريق اللّه تعالى في كل نفس من أنفاسه ولو عمّر عمر نوح ، وأن ذلك واجب على الفور من غير مهلة ، ولقد صدق أبو سليمان الداراني حيث قال : لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات ، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله ؟ وإنما قال هذا لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة فبكى عليها لا محالة ، وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد ، وكل ساعة من العمر بل كل نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها ، فإنها صالحة لأن توصلك إلى سعادة الأبد وتنقذك من شقاوة الأبد ، وأي جوهر أنفس من هذا ؟ فإذا ضيعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا ، وإن صرفتها إلى معصية فقد هلكت هلاكا فاحشا . فإن كنت لا تبكي على هذه المعصية فذلك لجهلك ، ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة لكن الجهل مصيبة لا يعرف المصاب بها أنه صاحب مصيبة ، فإن نوم الغفلة يحول بينه وبين معرفته ، والناس