مرتضى الزبيدي

59

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

كان الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين على وجل عظيم من المدح وفتنته وما يدخل على القلب من السرور العظيم به ، حتى أن بعض الخلفاء الراشدين سأل رجلا عن شيء فقال : أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم ، فغضب وقال : إني لم آمرك بأن تزكيني . وقيل لبعض الصحابة : لا يزال الناس بخير ما أبقاك اللّه ، فغضب وقال : إني لأحسبك عراقيا . وقال بعضهم - لما مدح - اللهم إني عبدك تقرب إليّ بمقتك فأشهدك على مقته . وإنما كرهوا المدح خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق ، فكان اشتغال قلوبهم بحالهم عند اللّه يبغض إليهم مدح الخلق ، لأن الممدوح هو المقرب عند اللّه والمذموم بالحقيقة هو المبعد من اللّه الملقى في النار مع الأشرار ، فهذا الممدوح إن كان عند اللّه من أهل النار فما أعظم جهله إذا فرح بمدح غيره ، وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرح إلا بفضل اللّه تعالى وثنائه عليه ، إذ ليس أمره بيد الخلق . ومهما علم أن الأرزاق والآجال بيد اللّه تعالى قلّ التفاته إلى مدح الخلق وذمهم وسقط من قلبه حب المدح واشتغل بما يهمه من أمر دينه . واللّه الموفق للصواب برحمته .