مرتضى الزبيدي

572

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فإن قلت : قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع والكسب أنه صادق من وجه وهو مع صدقة قاصر وهذا تناقض ، فكيف يمكن فهم ذلك ؟ وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه ، فقالوا لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه ، فطلبوه ، فلما وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجله ووقع يد بعضهم على نابه ووقع يد بعضهم على أذنه ، فقالوا قد عرفناه فلما انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم ، فقال الذي لمس الرجل : إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها ، وقال الذي لمس الناب : ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه وأملس لا خشونة فيه وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود ، وقال الذي لمس الأذن : لعمري هو لين وفيه خشونة ، فصدق أحدهما فيه ولكن قال : ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ ، فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ، ولكنهم