مرتضى الزبيدي

54

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

فدخل حماما ولبس ثياب غيره وخرج فوقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا : إنه طرّار وهجروه ، وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول ، فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته ، فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور ، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به جزعت نفسه وتألمت ، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم ، وربما يحتاج إلى إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به ، وبه يتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة . ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم ، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس ، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى وقطع طمعه عن الناس رأسا أصبح الناس كلهم عنده