مرتضى الزبيدي
446
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا ؟ هيهات هيهات ! لو كتب منه ألف نسخة وعلمه ألف مريض حتى شفي جميعهم وكرره كل ليلة ألف مرة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلا أن يزن الذهب ويشتري الدواء ويخلطه كما تعلم ويشربه ويصبر على مرارته ، ويكون شربه في وقته وبعد تقديم الاحتماء وجميع شروطه ، وإذا فعل جميع ذلك فهو على خطر من شفائه ، فكيف إذا لم يشربه أصلا ؟ فمهما ظن أن ذلك يكفيه ويشفيه فقد ظهر غروره . وهكذا الفقيه الذي أحكم علم الطاعات ولم يعملها ، وأحكم علم المعاصي ولم يجتنبها ، وأحكم علم الأخلاق المذمومة وما زكى نفسه منها ، وأحكم علم الأخلاق المحمودة ولم يتصف بها فهو مغرور إذ قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشمس : 9 ] ولم يقل أفلح من تعلم كيفية تزكيتها وكتب علم ذلك وعلمه الناس وعند هذا يقول له الشيطان : لا يغرنك هذا المثال فإن العلم بالدواء لا يزيل المرض ، وإنما مطلبك القرب من اللّه وثوابه ، والعلم يجلب الثواب ويتلو عليه الأخبار الواردة في فضل العلم ، فإن كان المسكين معتوها مغرورا وافق ذلك مراده وهواه فاطمأن إليه وأهمل العمل ، وإن كان كيسا فيقول للشيطان : أتذكرني فضائل العلم وتنسيني ما ورد في العالم الفاجر الذي لا يعمل