مرتضى الزبيدي
445
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
بمكان ، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب اللّه مثلهم ، بل يقبل في الخلق شفاعتهم وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على اللّه وهم مغرورون ، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أن العلم علمان : علم معاملة وعلم مكاشفة ، وهو العلم باللّه وبصفاته المسمى بالعادة علم المعرفة . فأما العلم بالمعاملة كمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها ، فهي علوم لا تراد إلا للعمل ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة ، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل . فمثال هذا كمريض به علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلّا حذاق الأطباء فيسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتى عثر على طبيب حاذق فعلمه الدواء وفصل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها التي منها تجتلب ، وعلمه كيفية دق كل واحد منها وكيفية خلطه وعجنه ، فتعلم ذلك وكتب منه نسخة حسنة بخط حسن ورجع إلى بيته وهو يكررها ويعلمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها أفترى