مرتضى الزبيدي

399

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

[ المؤمنون : 53 ] وجميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها لعجبهم بآرائهم والعجب بالبدعة هو استحسان ما يسوق إليه الهوى والشهوة مع ظن كونه حقا ، وعلاج هذا العجب أشد من علاج غيره لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطئه ولو عرفه لتركه ، ولا يعالج الداء الذي لا يعرف والجهل داء لا يعرف فتعسر مداواته جدا . لأن العارف يقدر على أن يبين للجاهل جهله ويزيله عنه ، إلا إذا كان معجبا برأيه وجهله فإنه لا يصغي إلى العارف ويتهمه ، فقد سلط اللّه عليه بلية تهلكه وهو يظنها نعمة فكيف يمكن علاجه وكيف يطلب الهرب مما هو سبب سعادته في اعتقاده ؟ وإنما علاجه على الجملة أن يكون متهما لرأيه أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقل صحيح جامع لشروط الأدلة ، ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة تامة وعقل ثاقب وجد وتشمر في الطلب وممارسة للكتاب والسنّة ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور ، والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في