مرتضى الزبيدي

351

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

وكل ذلك بأن يعلم أن الكمال في سعادة الآخرة والقرب من اللّه ، لا فيما يظهر في الدنيا مما لا بقاء له ، ولعمري هذا الخطر مشترك بين المتكبر والمتكبر عليه ! ولكن حق على كل واحد أن يكون مصروف الهمة إلى نفسه مشغول القلب بخوفه لعاقبته ، لا أن يشتغل بخوف غيره ، فإن الشفيق بسوء الظن مولع ، وشفقة كل إنسان على نفسه . فإذا حبس جماعة في جناية ووعدوا بأن تضرب رقابهم لم يتفرغوا لتكبر بعضهم على بعض وإن عمهم الخطر ، إذ شغل كل واحد همّ نفسه عن الالتفات إلى همّ غيره ، حتى كأن كل واحد هو وحده في مصيبته وخطره . فإن قلت : فكيف أبغض المبتدع في اللّه وأبغض الفاسق وقد أمرت ببغضهما ، ثم مع ذلك أتواضع لهما والجمع بينهما متناقض ؟ فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق ، إذ يمتزج غضبك للّه في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس والإدلال بالعلم والورع ، فكم من عابد جاهل وعالم مغرور إذا رأى فاسقا جلس بجنبه أزعجه من عنده وتنزه عنه بكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه قد غضب للّه ، كما وقع لعابد بني إسرائيل مع خليعهم ؟ وذلك لأن الكبر على المطيع ظاهر كونه شرا والحذر منه ممكن ، والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب للّه وهو خير ، فإن الغضبان أيضا يتكبر على من غضب عليه