مرتضى الزبيدي

153

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

اعتقد القلب أن الضار والنافع والمحيي والمميت هو اللّه تعالى ، فكذلك يحذر الشيطان ويعتقد أن الهادي والمضل هو اللّه ، ويرى الأسباب وسائط مسخرة - كما ذكرناه في التوكل - . وهذا ما اختاره الحرث المحاسبي رحمه اللّه وهو الصحيح الذي يشهد له نور العلم ، وما قبله يشبه أن يكون من كلام العباد الذين لم يغزر علمهم ، ويظنون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق باللّه يستمر على الدوام وهو بعيد . ثم اختلفت هذه الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفية الحذر فقال قوم : إذا حذرنا اللّه تعالى العدوّ فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب على قلوبنا من ذكره والحذر منه والترصد له ، فإنا إن غفلنا عنه لحظة فيوشك أن يهلكنا . وقال قوم : إن ذلك يؤدي إلى خلوّ القلب عن ذكر اللّه واشتغال الهم كله بالشيطان وذلك مراد الشيطان منا ، بل نشتغل بالعبادة ونذكر اللّه ولا ننسى الشيطان وعداوته والحاجة إلى الحذر منه فنجمع بين الأمرين ، فإنا إن نسيناه ربما عرض من حيث لا نحتسب ، وإن تجردنا لذكره كنا قد أهملنا ذكر اللّه ، فالجمع أولى . وقال العلماء المحققون : غلط الفريقان ، أما الأوّل فقد