مرتضى الزبيدي
148
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
للحذر منه انتظارا لوروده ، أم يجب التوكل على اللّه ليكون هو الدافع له ، أو يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه ؟ قلنا : اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه . فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان لأنهم انقطعوا إلى اللّه واشتغلوا بحبه ، فاعتزلهم الشيطان وأيس منهم وخنس عنهم - كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى الخمر والزنا - فصارت ملاذ الدنيا عندهم - وإن كانت مباحة - كالخمر والخنزير ، فارتحلوا من حبها بالكلية فلم يبق للشيطان إليهم سبيل فلا حاجة بهم إلى الحذر . وذهبت فرقة من أهل الشأم إلى أن الترصد للحذر منه إنما يحتاج إليه من قل يقينه ونقص توكله ، فمن أيقن بأن لا شريك للّه في تدبيره فلا يحذر غيره ويعلم أن الشيطان ذليل مخلوق ليس له أمر ولا يكون إلا ما أراده اللّه فهو الضار والنافع ، والعارف يستحيي منه أن يحذر غيره ، فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر . وقالت فرقة من أهل العلم : لا بدّ من الحذر من الشيطان وما ذكره البصريون من أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر وخلت قلوبهم عن حب الدنيا بالكلية فهو وسيلة الشيطان