مرتضى الزبيدي

30

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

اعتبار بخلاف المبتدع الضال لأهل الإجماع مع صحة معناه فيه ، لأن الفرد هو الذي لا يتنصف ، واللّه سبحانه وتعالى ليس له نصف ولا شيء من الأجزاء والأبعاض ، ويلزم على قوله المتقدم أن لا يسموا الإله الواحد لأن الحساب قرنوا الواحد بالاثنين وأكثر منه فقالوا : واحد واثنان ، كما قالوا فرد وزوج ( صمد لا ضد له ) قيل : في الصمد ثلاثة أقوال . أحدها : أنه الذي لا يطعم . روي ذلك عن الأعمش ، واستدل بقوله عز وجل هُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] وفي ذلك إبطال قول من زعم من النصارى أن عيسى عليه الصلاة والسّلام إله ، وقال اللّه تعالى في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسّلام : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] فبين ذلك أن الذي يأكل ويشرب لا يكون إلها ، وفي ذلك دلالة على أن كل محتاج إلى شيء فهو غير إله والإله هو الغني عما سواه . القول الثاني : أن الصمد هو الذي لا جوف له . قاله السدي ، ففيه إبطال قول المشبهة من اليهود والهشامية الذين زعموا أن معبودهم صورة مجوّفة ، وقالوا : نصفه الأعلى مجوّف ونصفه الأسفل مصمد . كما ذهب إليه هشام وسالم ، فأخبر اللّه أنه صمد ليس له جوف ولا صورة ولا تركيب . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . القول الثالث : ما ذهب إليه أهل اللغة بلا اختلاف أن الصمد السيد الذي انتهى إليه السؤدد والمصمود في النوائب الذي يصمد إليه فيها ، وقيل : هو السيد الذي صمد له كل شيء أي قصد قصده ، وتأويل صمود الأشياء للّه تعالى دلالة كل شيء عليه بأنه الصانع الأحد القديم الماجد من عرفه قصده بالرغبة إليه والرهبة منه ، واقتصر المصنف في المقصد الأسنى من معانيه على الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد إليه في الرغائب إذ ينتهي إليه منتهى السؤدد ثم قال : من جعله اللّه مقصدا لعباده في مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على لسانه ويده حوائج خلقه ، فقد أنعم عليه بحظ من معنى الوصف ، لكن الصمد المطلق هو الذي يقصد إليه في جميع الحوائج وهو اللّه سبحانه وتعالى اه . وقال الشيخ الأكبر في حقائق الأسماء : الصمد هو الذي يلجأ ويقصد إليه في الحوائج والنوائب ، فصمدية الحق من حيث أنه ما من شيء إلا عنده خزائنه ، والخزائن غير متناهية ، لكن أقسام كلياتها ترجع إلى العلوية والسفلية والغيبية والشهادية والثبوتية والوجودية ، وكلها عند الحق ومفاتيحها بيده يفتحها لمن شاء إذا شاء بما شاء ثم أطال الكلام وقال : ولما كانت الكفايات والافتقار موزعة على أفراد أشخاص خزائن الوجود ، فلكل عين من أعيان الموجود حظ من الصمدية فيما لا يظهر إلا به ، ولذلك نهينا أن نصمد في صلاتنا إلى السترة صمدا وهو إشارة إلى الغيرة الإلهية وأنه لا ينبغي للعبد أن يصمد صمدا إلا إلى الصمد المطلق عز سلطانه اه . بقي هنا شيء أشار له أبو منصور البغدادي وهو أنه إن كان الصمد بمعنى السيد الذي انتهى إليه السؤدد ، فيكون من صفات الذات وإن كان بمعنى من يصمد إليه في النوائب كان من