مرتضى الزبيدي
243
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
خلق لنا علم بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك العلم تقديرا حتى طلعت الشمس لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك العلم من غير تجدد علم آخر ، فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم اللّه تعالى . الأصل التاسع : إن إرادته قديمة وهي في القدم تعلقت باحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي . إذ لو كانت حادثة لصار محل الحوادث ، ولو حدثت في غير ذاته لم يكن هو مريدا لها كما لا تكون أنت متحركا بحركة ليست والأزلي لا ابتداء لوجوده كما أنه تعالى كان عالما في الأزل بأنه سيخلق العالم ، ثم لما خلقه فيما يزال كان عالما بأنه خلقه والتجدد على المعلوم لا على العلم ، و ( إذ ) قد علمت ذلك فاعلم أن المحوج لتجدد العلم بتجدد المعلوم هو ذهاب العلم بالغفلة عنه وعزوبه ، ف ( لو ) فرض عدم العزوب بأن ( خلق لنا علم بقدوم زيد عند طلوع الشمس ) مثلا ( ودام ذلك العلم تقديرا ) ولم يعزب بل استمر بعينه ( حتى طلعت الشمس لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك العلم ) أي بعين ذلك العلم ( من غير تجدد علم آخر ) ، وعلم اللّه تعالى بالأشياء قديم ، فاستحال لقدمه عزوبه لأنه عدمه ، وما ثبت قدمه استحال عدمه ( فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم اللّه تعالى ) وهو ظاهر بأدنى تأمل واللّه أعلم . ( الأصل التاسع : أن إرادته ) جل وعز لجميع الكائنات ( قديمة ) قائمة بالذات ( وهي ) أي الإرادة ( في القدم ) أي أزلا ( تعلقت باحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي ) بمعنى أن كل كائن في الوجود من خير وشر وطاعة ومعصية بإرادته وأن كل ما تتعلق به إرادته يكون لا محالة وهو معنى ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، ثم أن التعلق هو كون الصفة بحيث يكون لها منسوب يرتبط بها ارتباط المتضايفين وهو على قسمين : صلاحي إن لم يكن المنسوب لها موجودا في الخارج ، وتنجيزي إن كان موجودا وهل التعلق صفة اعتبارية لا وجود له في الخارج إذ هو يرجع إلى معقول الإضافة ؟ واختاره المتأخرون أو وجودية إذ التعلق مرجعه إلى الصفات النفسية للمعاني ، واختاره ابن الحاجب تبعا لغيره . ( إذ لو كانت ) الإرادة ( حادثة ) لكان بضدها موصوفا وضدها نقص ، والنقص لا يجوز في وصفه تعالى . وأيضا لو كانت حادثة ( لصار ) الباري تعالى ( محلا للحوادث ) وقابلا لها ، ولو كان محلا للحوادث لما خلا عنها وما لا يخلو عن الحادث حادث لما مر . ومن هنا بطل قول الكرامية : إن إرادته تعالى حادثة قائمة بذاته وهو ظاهر ، والعلم متعلق أزلا بذلك التخصيص الذي أوجبته الإرادة أي تخصيص المقدور بخصوص وقت إيجاده ، كما أن الإرادة في الأزل متعلقة بتخصيص الحوادث بأوقاتها ، ولا يتغير العلم ولا الإرادة بوجود المعلوم والمراد ، ومن هنا بطل قول جهم بن صفوان ، وهشام بن الحكم من أن علمه تعالى بأن هذا قد وجد وذاك قد عدم حادث . دليل آخر على قدم الإرادة أن يقال : ( لو حدثت في غير ذاته ) تعالى ( لم يكن ) هو تعالى