مرتضى الزبيدي

244

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

في ذاتك وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها إلى إرادة أخرى ، وكذلك الإرادة الأخرى تفتقر إلى أخرى ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية ، ولو جاز أن يحدث إرادة بغير إرادة لجاز أن يحدث العالم بغير إرادة . الأصل العاشر : ان اللّه تعالى عالم بعلم ، حي بحياة ، قادر بقدرة ، ومريد بإرادة ، ومتكلم بكلام ، وسميع بسمع ، وبصير ببصر ، وله هذه الأوصاف من هذه الصفات ( مريدا بها ) بل الذي قامت به وهو باطل ( كما لا تكون أنت متحركا بحركة ليست في ذاتك ) وهو ظاهر ، ( وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها ) أي تلك الإرادة ( إلى إرادة أخرى ) ثانية ( وكذلك الإرادة الأخرى تفتقر إلى ) إرادة ( أخرى ) ثالثة ( ويتسلسل الأمر ) أي هذا الافتقار ( إلى غير نهاية ، ولو جاز أن تحدث إرادة ) أي بعض الإرادات ( بغير إرادة ) تخصصها بخصوص وقت إيجادها ( لجاز أن يحدث العالم بغير إرادة ) فلا يمكن حدوث بعضها بلا إرادة ، مع أن المقتضي لثبوت صفة الإرادة ذلك الخصوص وهو ملازم للحدوث لا ينفك عنه لما مر من أنه لا بد لكل حادث من مخصص له بخصوص وقت إيجاده ، والفرض أن تلك الإرادة حادثة بزعم الخصم ، فلا بد لها من إرادة تخصصها فيلزم التسلسل المحال فتأمل . [ الأصل العاشر المتكلمين وثبوت الأحوال ] ( الأصل العاشر ) : أعلم أن المتكلمين على قسمين : منهم من يثبت الأحوال ، ومنهم من ينفيها . فمن يثبت الأحوال كالقاضي والإمام والمصنف فعبارته . أن يقول : ( إن اللّه تعالى عالم بعلم حي بحياة قادر بقدرة مريد بإرادة ، ومتكلم بكلام ، وسميع بسمع ، وبصير ببصر ) أي بصفة تسمى بصرا ، وإنما يعبر بهذا في البصر خاصا دفعا لسبق الوهم إلى العين من إطلاق البصر ، ولذا صرح غير واحد منهم من أن المعنى بالسمع والبصر نفس الإدراك لا الحاسة ، فيثبتون ذاتا موجودة وصفات موجودة وهي نفس العلم والقدرة والإرادة وأحوالا ثابتة للذات باعتبار قيام هذه الصفات بها وهو معقول الاتصاف ، ويعبرون عن تلك الحال بالعالمية والقادرية ، ولا يصفون هذه الحالة بالوجود بل بمحض الثبوت وهو معنى قول المصنف : ( وله هذه الأوصاف من هذه الصفات القديمة ) ومن ينفي الأحوال فعبارته أن يقول : عالم وله علم ، قادر وله قدرة ، وكذلك بقية الصفات ، ونفس كونه عالما بنفس اتصافه بالعلم وليس في المعقول موجود ولا ثابت من خارج سوى نفس الذات والصفات وينفي الأحوال ، فإن عبر عن الموصوف قال : ذات وإن عبر عن المعنى قال : علم وقدرة ، وإن عبر عن الذات باعتبار المعنى قال : عالم قادر ، فالمعقول اثنان والعبارات ثلاث ونفت المعتزلة والشيعة الصفات الزائدة على الذات وأسندت ثمرات هذه الصفات إلى الذات ، ونفوا أيضا نفس المعاني وقالوا : إن الباري تعالى حي عالم قادر لنفسه ، فأثبتوا المشتق بدون المشتق منه ، وبعضهم يقول بنفسه ، وامتنع بعضهم من إطلاق لنفسه أو بنفسه لما فيه من إيهام التعليل المنافي للوجوب ، ويلزمهم أن يكون ذاته علما