مرتضى الزبيدي
16
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الناس على ذلك كيف لا يكون كفرا وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما » ولضرورة أوجبت بأن بعض من كفرهم مسلم ، والحديث أقتضى أنه يبوء بها أحدهما ، فيكون القائل هو الذي باء بها ، ثم حكى ردّ إمام الحرمين على الستجري وأطال في العبارة ، وقد اقتصرنا على القدر المذكور لأني لست بصدد بيان اعتقادهم والرد على أقوالهم ، وله محل غير هذا ، واللّه أعلم . الفصل الثالث في تفصيل ما أجمل آنفا من ذكر المسائل المختلف فيها بين الأشاعرة والماتريدية ليكون المطالع لها على بصيرة : أعلم أنه تقدم النقل عن التقي السبكي أن الاختلاف بين الفريقين في ثلاث مسائل فيما استنبطه من عقيدة أبي جعفر الطحاوي ، وزاد ولده التاج ثلاثة أخرى استخرجها من كتاب الماتريدية ، وزاد غيره سبعة أخرى ، وأورد الفاضل عبد الرحيم بن علي الحنفي في كتابه نظم الفرائد وجمع الفوائد أربعين مسألة ببراهينها وحججها ، وأطال الكلام فيها جدا ، وكذا العلامة ملّا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ، وذكر العلامة ابن البياضي في كتابه إشارات المرام من عبارات الإمام خمسين مسألة ، ولنقتصر على إيراد عبارته لاختصارها وجمعها لما تشتت من الأقوال . قال رحمه اللّه تعالى : فمن الخلافيات بين جمهور الماتريدية والأشعرية الوجود ، والوجود عين الذات في التحقيق ، واختاره الأشعري خلافا لهم ، والاسم إذا أريد به المدلول عين المسمى ولا ينقسم كالصفات إلى ما هو عين وإلى ما هو غيره وإلى ما ليس هو ولا غيره ، واختاره كثير منهم ويعرف الصانع حق المعرفة ، واختاره بعضهم وهو الحق كما في المنائح للآمدي ، وصفات الأفعال راجعة إلى صفة ذاتية هي التكوين أي مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود ، وليس عين المكون . واختاره الحرث المحاسبي كما في معالم السنن للخطابي ، والبقاء هو الوجود المستمر وليس صفة زائدة ، واختاره الباقلاني والأستاذ وكثير منهم والسمع بلا جارحة صفة غير العلم وكذا البصر ، واختاره إمام الحرمين والرازي وكثير منهم ، وليس إدراك الشم والذوق واللمس صفة غير العلم في شأنه تعالى ، وليس إحساس الشيء بإحدى الحواس الخمس علما به بل آلته ، والعقل ليس علما ببعض الضروريات ، واختاره كثير منهم ويجب بمجرد العقل في مدة الاستدلال معرفة وجوده تعالى ووحدته وعلمه وقدرته وكلامه وإرادته وحدوث العالم ودلالة المعجزة على صدق الرسول ، ويجب تصديقه ويحرم الكفر والتكذيب لأمر البعثة وبلوغ الدعوة ، والحسن بمعنى استحقاق المدح والثواب ، والقبح بمعنى استحقاق الذم والعقاب على التكذيب عنده إجمالا عقليا أي يعلم به حكم الصانع في مدة الاستدلال في هذه العشرة ، كما في التوضيح وغيره لا لإيجاب العقل للحسن والقبح ولا مطلقا كما زعمته المعتزلة . أما كيفية الثواب وكونه بالجنة وكيفية العقاب وكونه بالنار فشرعي ، واختار ذلك الإمام القفال الشاشي والصيرفي والحليمي وأبو بكر الفارسي والقاضي أبو حامد وكثير من متقدميهم ، كما في القواطع للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي