مرتضى الزبيدي
15
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
أوجبت للعلماء النظر فيه لمقاومة المبتدعين ودفع شبههم عن أن تزيغ بها قلوب المهتدين ، والفرقة الأشعرية هم المتوسطون في ذلك وهم الغالبون من الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة وسائر الناس ، وأما المعتزلة ؛ فكانت لهم دولة في أوائل المائة الثالثة ساعدهم بعض الخلفاء ثم انخذلوا وكفى اللّه تعالى شرهم ، وهاتان الطائفتان الأشعرية والمعتزلة هما المتقاومتان وهما فحولة المتكلمين من أهل الإسلام ، والأشعرية أعدلهما لأنها بنت أصولها على الكتاب والسنّة والعقل الصحيح . وأما الحكمة اليونانية فالناس مكتفون شرّها لأن أهل الإسلام كلهم يعرفون فسادها ومجانبتها للإسلام . وأما الحشوية فهي طائفة رذيلة جهال ينتسبون إلى أحمد وأحمد مبرأ منهم ، وسبب نسبتهم إليه أنه قام في دفع المعتزلة وثبت في المحنة رضي اللّه عنه ، ونقلت عنه كلمات ما فهمها هؤلاء الجهال فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيء ، وصار المتأخر منهم يتبع المتقدم إلا من عصمة اللّه تعالى ، وما زالوا من حين نبغوا مستذلين ليس لهم رأس ولا من يناظر ، وإنما في كل وقت لهم ثورات ويتعلقون ببعض اتباع الدول ، ويكفي اللّه تعالى شرهم وما تعلقوا بأحد إلّا وكانت عاقبته إلى سوء وأفسدوا اعتقاد جماعة شذوذ من الشافعية وغيرهم ، ولا سيما من بعض المحدثين الذين نقصت عقولهم أو غلب عليها من أضلهم فاعتقدوا انهم يقولون بالحديث ولقد كان أفضل المحدثين بزمانه بدمشق ابن عساكر يمتنع من تحديثهم ولا يمكنهم أن يحضروا بمجلسه ، وكان ذلك أيام نور الدين الشهيد ، وكانوا مستذلين غاية الذلة ، ثم جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء واطلاع ولم يجد شيخا يهديه وهو على مذهبهم وهو جسور متجرد لتقرير مذهبه ويجد أمورا بعيدة ، فبجسارته يلتزمها فقال بقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى ، وأن اللّه سبحانه وتعالى ما زال فاعلا ، وأن التسلسل ليس بمحال فيما مضى كما هو فيما سيأتي . وشق العصا وشوش عقائد المسلمين وأغرى بينهم ، ولم يقتصر على العقائد في علم الكلام حتى تعدّى وقال : إن السفر لزيارة قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معصية ، وقال : إن الطلاق الثلاث لا يقع وإن من حلف بطلاق امرأته وحنث لا يقع عليه طلاق ، واتفق العلماء على حبسه الحبس الطويل ، فحبسه السلطان ومنعه من الكتابة في الحبس وأن لا يدخل عليه بدواة ومات في الحبس ، ثم حدث من أصحابه من يشيع عقائده ويعلم مسائله ويلقي ذلك إلى الناس سرا ويكتمه جهرا ، فعم الضرر بذلك حتى وقفت في هذا الزمان على قصيدة نحو ستة آلاف بيت يذكر فيها عقائده وعقائد غيره ، ويزعم بجهله ان عقائده عقائد أهل الحديث ، فوجدت هذه القصيدة تصنيفا في علم الكلام الذي نهى العلماء من النظر فيه لو كان حقا ، وفي تقرير للعقائد الباطلة فيه وبرع بها وزيادة على ذلك وهي حمل العوام على تكفير كل من سواه وسوى طائفته ، فهذه ثلاثة أمور هي مجامع ما تضمنته هذه القصيدة ، والأوّل من الثلاثة حرام لأن النهي عن علم الكلام إن كان نهي تنزيه فيما تدعو الحاجة إلى الرد على المبتدعة فيه فهو نهي تحريم فيما لا تدعو الحاجة إليه ، فكيف فيما هو باطل ، والثاني من العلماء مختلفون في التكفير به ، ولم ينته إلى هذا الحد أما مع هذه المبالغة ففي بقاء الخلاف فيه نظر ، وأما الثالث فنحن نعلم بالقطع أن هؤلاء الطوائف الثلاثة الشافعية والمالكية والحنفية وموافقيهم من الحنابلة مسلمون وليسوا بكافرين ، فالقول بأن جميعهم كفار ، وحمل