مرتضى الزبيدي

9

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

ما نصه : باسمه تنشرح الصدور وتحيا النفوس ، وبرسمه تفتخر المحابر وتشتهر الطروس ، ولسماعه تخشع الأصوات وتخضع الرؤوس . وترجمه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه فأطال فيها ، وكذا الحافظ ابن السمعاني نحوا منه . وقال الحافظ محب الدين بن النجار الحنبلي في ذيله على تاريخ بغداد ما نصه : إمام الفقهاء على الإطلاق ، ورباني الأمة بالاتفاق ، ومجتهد زمانه وعين وقته وأوانه ، ومن شاع ذكره في البلاد ، واشتهر فضله بين العباد ، واتفقت الطوائف على تبجيله وتعظيمه وتوقيره وتكريمه ، وخافه المخالفون وانقهر بحججه المناظرون ، وظهر بتنقيحاته فضائح المبتدعة والمخالفين ، وقام بنصر السنّة وإظهار الدين ، وسارت مؤلفاته في الدنيا مسير الشمس في البهجة والجمال ، وشهد له الموافق والمخالف بالتقدم والكمال . الفصل الثاني في بيان مولده وشيء من أخبار نشأته . قالوا : ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة ، وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس ، فلما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير وقال : إن لي لتأسفا عظيما على تعلم الخط وأشتهي استدراك ما فاتني في ولديّ هذين ، فأقام بهما وعلمهما الخط وأدبهما إلى أن فني ذلك النزر اليسير الذي كان خلفه لهما أبوهما ، وتعذر على الصوفي القيام بقوتهما فقال لهما : اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما وأنا رجل من أهل التجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به وأصلح ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسة ، فإنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك ، وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجتهما ، وكان الغزالي يحكي هذا ويقول : طلبنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلّا للّه . الفصل الثالث في بيان مبدأ طلبه للعلم قرأ في صباه طرفا من الفقه ببلده على أحمد بن الراذكاني ، ثم سافر إلى جرجان إلى الامام أبي نصر الإسماعيلي ، وعلق عنه التعليقة ثم رجع إلى طوس . قال الامام أسعد الميهني فسمعته يقول : وقطعت علينا الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا فتبعتهم ، فالتفت إليّ مقدمهم وقال : ارجع وإلا هلكت ، فقلت له : أسالك بالذي ترجو السلامة منه ان ترد على تعليقتي فقط فما هي بشيء تنتفعون به ، فقال لي : وما هي تعليقتك ؟ فقلت : كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها فضحك ، وقال : كيف تدعي انك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم ، ثم أمر بعض أصحابه فسلم إليّ المخلاة فقال الغزالي : هذا مستنطق أنطقه اللّه يرشدني به في أمري ، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته ، وصرت بحيث لو قطع عليّ الطريق لم أتجرد من علمي ، ثم قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين حتى برع في المذهب والخلاف والجدل والأصلين والمنطق ، وقرأ الحكمة والفلسفة ، وأحكم كل ذلك ، وفهم كلام أرباب هذه العلوم ، وتصدى للرد على مبطليهم وإبطال دعاويهم ، وصنف في كل فن من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها وأجاد وضعها وترصيفها ، وكان