مرتضى الزبيدي

10

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الادراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة جبل علم مناظرا محجاجا ، وكان إمام الحرمين يصف تلامذته فيقول : الغزالي بحر مغرق ، والكياء أسد مخرق ، والخوافي نار تحرق . ويقال : كان الامام يظهر في الظاهر الافتخار به ، وعنده في الباطن منه شيء لما ظهر منه من أنيق العبارة ، ورقيق الإشارة ، وصحة السماع ، وقوة الطباع . الفصل الرابع في بيان ما آل اليه أمره لما مات إمام الحرمين خرج الغزالي إلى المعسكر قاصدا الوزير نظام الملك إذ كان مجلسه مجلس أهل العلم ومحط رحالهم ، فناظر الأئمة العلماء في مجلسه ، وقهر الخصوم وظهر كلامه عليهم . واعترفوا بفضله ، فتلقاه الصاحب بالتعظيم وطار اسمه في الآفاق واشتهر في الأقطار ، وولّاه تدريس مدرسته ببغداد وأمّها بالتوجه إليها ، فقدمها في سنة أربع وثمانين وأربعماية في تجمل كثير ، وتلقاه الناس ونفذت كلمته حتى غلبت حشمته الامراء والملوك والوزراء ، وأقام على تدريس العلم ونشره بالتعليم والفتيا والتصنيف ، حتى ضربت به الأمثال ، وشدت إليه الرحال . إلى أن عزفت نفسه عن رذائل الدنيا ، فرفض ما فيها من التقدم والجاه ، وترك كل ذلك وراء ظهره وقصد بيت اللّه الحرام ، فخرج إلى الحج في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين ، واستناب أخاه في التدريس ، ودخل دمشق سنة تسع وثمانين فلبث فيها يويمات يسيرة على قدم الفقر ، ثم توجه إلى بيت المقدس فجاور به مدة ، ثم عاد إلى دمشق واعتكف بالمنارة الغربية من الجامع بها وكانت اقامته على ما ذكر الحافظ ابن عساكر فيما نقله عنه الذهبي ولم أجد في كلامه ، وكان الغزالي يكثر الجلوس في زاوية الشيخ نصر المقدسي بالجامع الأموي المعروفة اليوم بالغزالية نسبة اليه . قال ابن عساكر : أقام الغزالي بالشام نحوا من عشر سنين ، ونقل الذهبي أنه صادف دخوله يوما المدرسة الأمينية فوجد المدرّس يقول : قال الغزالي ، فخشي الغزالي على نفسه العجب ففارق دمشق وأخذ يجول في البلاد فدخل منها إلى مصر وتوجه منها إلى الإسكندرية فأقام بها مدة ، وقيل : انه عزم على المضي إلى السلطان يوسف بن تاشفين سلطان المغرب لما بلغه من عدله ، فبلغه موته ، واستمر يجول في البلدان ويتردد إلى المشاهد ويطوف على التراب والمساجد ، ويأوى القفار ، ويروض نفسه ، ويجاهدها جهاد الأبرار ، ويكلفها مشاق العبادات ، ويبلوها بأنواع القرب والطاعات إلى أن صار قطب الوجود والبركة العامة لكل موجود ، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن والسبيل المنصوب إلى مركز الايمان ، ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة ، وحدث بكتاب الاحياء . ورأيت في بعض المجامع أن سبب سياحته وزهده أنه كان يوما يعظ الناس فدخل عليه أخوه أحمد فأنشده : أخذت بأعضادهم إذونوا * وخلفك الجهد إذ أسرعوا وأصبحت تهدي ولا تهتدي * وتسمع وعظا ولا تسمع فيا حجر الشحر حتى متى * تسن الحديد ولا تقطع