السيد نعمة الله الجزائري
53
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
بالنقصان ونار جهنم ، فكل مايل عن الصراط القويم معذب مرتين من وجهين ، ولكن تفاوت ذلك العذاب بحسب طول المدة إنما هو بأمرين ، أحدهما قوة الإيمان وضعفه ، وكثرة اتباع الهوى وقلته ، وإن لا يخلو في غالب الأمر من أحدهما ، إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا . الرتبة الثالثة : رتبة الناجين ، وهي النجاة فقط دون السعادة ، وهم قوم لم يخدموا ليخلع عليهم ولم يقصروا ، ويشبه أن يكون هذا حال المجانين والسفهاء الذين تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد وعاشوا على السفه والجنون . الرتبة الرابعة : الفائزون ، وهم المقربون ، فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ، وهم الذين كفوا أنفسهم عن أن يكون مطاعم الجنة وملاذها مطلبا لهم فلا يطلبون إلّا لذة القرب ، كما قال سيد الموحدين : ما عبدتك خوفا من نارك . وما أحسن قول رابعة العدوية حين سئلت ما رغبتك في الجنة ، فقالت : الجار ثم الدار ، وهؤلاء قوم مستهترون بالعشق ، قد غرقوا فيه وغفلوا عن نفوسهم فهم لا يحسون بآلامها . روى الصدوق ( ره ) في كتاب علل الشرائع والأحكام مسندا إلى أنس ، قال قال رسول اللّه ( ص ) بكى شعيب من حب اللّه عز وجل حتى عمي ، فرد اللّه عز وجل عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي ، فرد اللّه عز وجل عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي فرد اللّه عز وجل عليه بصره ، فلما كانت الرابعة أوحى اللّه إليه يا شعيب إلى متى يكون هذا أبدا منك ، إن يكن هذا خوفا من النار فقد أجرتك ، وإن يكن شوقا إلى الجنة فقد أبحتك ، قال إلهي وسيدي أنت تعلم أني ما بكيت خوفا من نارك ولا شوقا إلى جنتك ولكن عقد حبك على قلبي فلست أصبر أو أراك ، فأوحى اللّه جل جلاله إليه أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران . وروى الصدوق ( ره ) أيضا عن الصادق عليه السّلام ، أنه سئل ما سبب العشق ، فقال : تلك قلوب خلت من محبة اللّه فأذاقها اللّه حلاوة غيره ، والأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة واللّه الموفق للصواب . « أدنى » أي أقرب . « وأكرم وأرضى فعلا » « 1 » تفضيل بمعنى المفعول على خلاف المشهور ، وقد حققنا في حواشينا على شرح
--> ( 1 ) وأكرم خليقته عليه ، وأرضى حامديه لديه .