السيد نعمة الله الجزائري

384

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

أمر به وتعبد ، وعن القول في علل ذلك إذ كان طلب علل الخلق والأمر محظور إلا أن اللّه سترها عن أكثر خلقه فلا يجوز لأحد من خلقه أن يطلب لخلقه عز وجل جميع ما خلق عللا مفصلات فيقول لم خلق كذا وكذا حتى يعد المخلوقات كلها ، ولا يجوز أن يقول لم تعبّد بكذا ونهى عن كذا وقد أعلمهم في الجملة أنه لم يخلق شيئا إلا لحكمة ومصلحة ، انتهى ملخصا وهو حسن ، وهذه المسألة من المزالق الزلقة قل أن تثبت قدم في حافة من حوافها لأنها دقيقة ترجع تارة إلى صفات الذات وأخرى إلى صفات الأفعال ، إلا أن السادة الأطهار صلوات اللّه عليهم ربما كشفوا عن شيء من هذا الحجاب فينبغي أن يقتصر عليه ولا يعدوه ، والأشاعرة ونحوهم إنما زلقت منهم الإقدام لأنهم سلكوا هذا الطريق المظلم بغير دليل ولا مصباح ووقعوا في هذا البحر المظلم بغير سفينة نجاة . الأمر الثاني : الأخبار الواردة في معنى القضاء والقدر وإن كانت متكثرة إلا أن المفصل منها ما رواه الصدوق رحمه اللّه بإسناده إلى المعلّى قال سئل العالم « 1 » عليه السّلام كيف علم اللّه قال علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى ، فأمضى ما قضى ، وقضى ما قدر ، وقدر ما أراد ، فبعلمه كانت المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير ، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، فالعلم متقدم المشيئة ، والمشيئة ثانية ، والإرادة ثالثة والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء . فلله تبارك وتعالى البدا فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء فالعلم في المعلوم قبل كونه والمشيئة في المنشأ قبل عينه والإرادة في المراد قبل قيامه والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا وقياما والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواس من ذي لون وريح ووزن وكيل وما دب ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك وتعالى فيه البدا مما لا عين له فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بدا واللّه يفعل ما يشاء فبالعلم علم الأشياء قبل كونها وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وإنشاءها قبل إظهارها وبالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وفي صفاتها وحدودها وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وآخرها وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلهم عليها وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ذلك تقدير العزيز العليم .

--> ( 1 ) لعل لفظة العالم من سهو القلم والأولى إبدالها بلفظة « الكاظم » .