السيد نعمة الله الجزائري
385
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
أقول إذا عرفت هذه المراتب في الشاهد وفرقت بينها لعلك تطلع على بعض تفاصيلها في الغالب ، فنقول إذا أردت إيجاد عمل من أعمالك ككتابة قرآن مثلا فما تقدم من تلك التفاصيل كله موجود هنا قبل إيجادها في الخارج فالعلم هنا ما به تنكشف لك أحوال الكتابة وإلا كنت طالبا لتحصيل ما لا تعلم ، وأما المشيئة فهي ميلك الأول إلى تلك الكتابة التي أحاط علمك بتفاصيلها ، وأما الإرادة فهو شدة ذلك الميل حتى صار عزما جازما ، وأما التقدير فهو عبارة عن الشروع في تحصيل ما تتوقف عليه الكتابة من الآلات ، وأما القضاء فهو جمع تلك الآلات وتركيب بعضها مع بعض وإحضارها كلها موجودة عنده ، وأما الإمضاء فهو عبارة عن إيجاد ما أردت من الكتابة في الخارج فهذه الجمل معاني العلم وما بعده مما يجب سبقه على حصول الأثر في الخارج في حق الشاهد ، وأما الغائب جل شأنه فليس فيه ذلك الميل الضعيف المسمى بالمشيئة ولا القول المسمى الإرادة ولا به حاجة إلى تحصيل تلك الأدوات بمضي زمان ، وبالجملة فتلك الحركات النفسانية في تحصيل ذلك الأثر لا حاجة به إليها عز وجل فلا بد أن يكون فيه مغايرة لهذه المعاني ، فنقول وباللّه التوفيق ، أما علمه تعالى بما يريد فعله فهو عبارة عن انكشاف ذلك المعلوم عنده بصورته وحقيقته لأن علمه بالأشياء قبل وجودها كعلمه بعد وجودها كما ورد في النصوص الصحيحة ، ولعله بما ذهب إليه حكماء الإسلام من أن علمه تعالى لما لم يكن زمانيا ولا مكانيا لم يوجد فيه ماض وحال ومستقبل فيكون نسبة علمه سبحانه إلى جميع الأزمنة على السواء ، فالموجودات من الأزل إلى الأبد معلومة له كل في وقته ، وليس في علمه كان وكائن وسيكون بل هي حاضرة عنده في أوقاتها ، فالزمان خط ممتد من الأزل إلى الأبد قد انتظم فيه جميع المخلوقات ، وذلك الخيط بما فيه منكشف له حاضر عنده كما هو موجود في الأعيان ، وأما المشيئة وما بعدها فلعلها عبارة عن نقوشها في الألواح السماوية بتفاوت الأسباب والشروط ، كأن تكون المشيئة عبارة عن نقش ذلك المراد وكتابته من غير تعليق على شيء من الشروط والأسباب ، والإرادة كتابته بنحو آخر موقوف على بعض أسبابه وشروطه ، والتقدير عبارة عن نقشه مرة أخرى بجميع حدوده وتفاصيله ، والقضاء نقشه كذلك واطلاع الملائكة على تفاصيله ، والإمضاء إيجاده في الخارج ، روى شيخنا الكليني عطر اللّه مرقده بإسناده إلى زرارة قال قال أبو عبد اللّه عليه السّلام التقدير في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان والإبرام في ليلة إحدى