السيد نعمة الله الجزائري
383
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
« المتكفّل برزقي » تكفل عز شأنه وضمن إيصال الرزق في مواضع من القرآن المجيد كقوله : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ، وقوله : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ، وقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ، وقيل للصادق عليه السّلام لو أن رجلا أغلق بيته عليه وجلس فمن أين كان يأتيه رزقه فقال عليه السّلام من الموضع الذي يأتي إليه أجله ، وما أحسن ما ورد في الأثر أن ابن آدم يعصي اتكالا على العفو مع أنه تعالى لم يوجب العفو على نفسه ويقطع البحار والفلوات في تحصيل الرزق ولا يعتمد على اللّه مع أنه حتمه وأوجبه على نفسه . « وفي قضائك كان ما حلّ بي وبعلمك ما صرت إليه فاجعل يا ولييّ وسيّدي ممّا قضيت عليّ وحتمت عافيتي » تضمنت هذه الكلمات أن ما حل به عليه السّلام كان في القضاء المقدر ، وحيث أنها اشتملت على لفظة القضاء والعلم والتقدير فلا بأس بإطلاق العنان في هذا المقام بالإشارة إلى أمور : الأول أنه قد ورد النهي عن الخوض في معنى القضاء والقدر ، روى الصدوق رحمه اللّه بسنده إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام حين سأله رجل عن القدر فقال بحر عميق فلا تلجه ثم سأله ثانية فقال طريق مظلم فلا تسلكه ثم سأله ثالثة فقال سرا للّه فلا تتكلفه ، وفي حديث آخر عنه عليه السّلام إن القدر بحر زاخر مواج خالص للّه عز وجل عمقه ما بين السماء والأرض عرضه ما بين المشرق والمغرب أسود كالليل الدامس كثير الحيات والحيتان يعلو مرة ويسفل أخرى في قعره شمس تضيء لا ينبغي أن يطلع عليها إلا اللّه الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد اللّه في حكمه ونازعه في سلطانه وكشف عن سره وستره وباء بغضب من اللّه ومأواه جهنم وبئس المصير ، إلى غير ذلك مما روى فيه ، وأجاب عنها شيخنا المفيد نور اللّه ضريحه في شرح إعتقادات الصدوق بوجهين ، أحدهما أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم إلا الإمساك عنه وترك الخوض فيه ، ولم يكن النهي فيه عاما لكافة المكلفين ، وقد يصلح بعض الناس بشيء يفسد فيه آخرون ، فدبر الأئمة عليهم السّلام أشياعهم بحسب ما علموه من مصالحهم فيه ، والوجه الثاني أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق اللّه تعالى ، وعن علله وأسبابه وعما