السيد نعمة الله الجزائري
38
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
أيامه : والظلمات إما عبارة عن شدائد الروح في عالم البرزخ ، أو كناية عن ناره فإنها مظلمة كنار القيامة ، أو ظلمة الموضع الذي فيه جسده المثالي ، انتهى ، وما ذكرناه أظهر ، إذا تحققت هذا فاعلم أن بعض الأعلام بعد أن ذكر هذا الكلام قال : لا يبعد أن يحمل البرزخ على الوجود في عالم الشهود ، أعني الوجود الحسي كما يطلق عليه المحققون من الصوفية ، كما يقولون الموجودات في غواسق برزخية ، ووجه الإطلاق أنهم ارتقوا عن فناء العدم الصرف ، وما اتصلوا بالوجود البحت ، فكانوا بين بين ، وتعدد الظلمات حينئذ باعتبار ظلمة الإمكان والاحتياج والمادة وبقية آثار ظلمة العدم الصرف إلى غير ذلك ، وزعمي أن حمل كلام المعصوم على هذا الوجه اللطيف أبهى وأحرى من حمله على المعنى السابق ، ولا سيما بقرينة ما سيذكره عليه السّلام في الفقرة التي تليه من تسهيل سبيل المبعث الشامل للقبر ، بل هو مساوق له ، وفي الفقرة التي بعدها من شرف المنازل الحاصل في يوم المبعث ، لئلا يكون فيه شائبة من التكرار ، فاستقم كما أمرت ، انتهى . أقول : أما إطلاق البرزخ على هذا فغير معهود لا في عرف الشرع ولا في عرف المتشرعة ، بل هو من اصطلاحات الصوفية كما اعترف به ، وسنتلو عليك حالهم ، والأخبار الواردة في ذمهم ، ووجوب لعنهم والبراءة منهم ، وأن من زار أحدا منهم كان كمن زار الشيطان ، وعبدة الأوثان ، وزار أبا بكر وعمر وعثمان ، وأما ما أقامه عليه من القرينة فغير جيد ، لأن سبيل المبعث ليس شاملا ولا مساوقا للبرزخ ، لأنه عبارة عن بعث الأجساد من القبور يوم القيامة للجزاء ، ومواقف الجزاء فيه أيضا كما ستعرف ، والعجب من هذا الفاضل كيف جعل هذا الوجه السخيف أبهى وأحرى ، مع دعواه التشرع في دين الإسلام ، ولكن لا عجب ، لأن بعضهم أنكره رأسا ، وأوّله بالانكشاف العلمي التام الذي يحصل لهم في ذلك الوقت ، وأخرى بحصول صور الأشياء في الحس المشترك ، استنادا إلى أن القول بظاهر البرزخ يستلزم القول بالتناسخ ، لأن الروح تنتقل من هذا البدن إلى البدن المثالي وهو خلاف إجماع المسلمين ، وهو كما ترى فإن ما أجمع عليه المسلمون غير هذا ، قال الإمام الرازي إن المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردها إلى الأبدان لا في هذا العالم ، والتناسخية يقولون بقدمها وردها في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة والنار ، إنما كفروا من أجل هذا الإنكار ، إذا عرفت هذا فاستقم عكس ما أمرت .