السيد نعمة الله الجزائري
365
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
البعض الآخر ، والمحققون من المفسرين وشراح الأسماء المقدسة فرقوا بينها بأن كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولا ، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا ، وإلى التقدير بعد الإيجاد ثالثا ، واللّه تعالى خالق من حيث أنه مقدر ، وبارىء من حيث أنه مخترع وموجد ، ومصور من حيث أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب ، وهذا كالبناء مثلا فإنه محتاج إلى مقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها ، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي عندها تحدث أصول الأبنية ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صوره فيتولاه من البناء ، هذه هي العادة في التقدير والبناء والتصوير ، وليس كذلك في أفعال اللّه تعالى بل هو المقدر والموجد والمزين ، فهو الخالق والبارىء والمصور ومثاله من صنعه عز شأنه الإنسان ، وهو محتاج في وجوده أولا إلى أن يقدر ما منه وجوده فإنه مخصوص ، فلا بد من الجسم أولا حتى يخصص بالصفات كما يحتاج إلى الآلات حتى يبني ولا يصلح لبنية الإنسان إلا الماء والتراب جميعا ، والتراب وحده يابس لا ينعطف في الحركات ، والماء وحده رطب لا يتماسك ، فلا بد من امتزاجهما ، ثم لا بد من حرارة طائحة حتى يستحكم مزج الماء بالتراب فلا ينفصل حتى يكون صلصالا كالفخار ، والصلصال هو الطين المعجون بالماء الذي قد عملت فيه النار ، ثم يحتاج إلى تقدير الماء والطين بمقدار مخصوص حتى لا يكون كالذرات يلعب فيه العواصف ولا كالجبل لا يتحرك من مكانه وكل ذلك يحتاج إلى التقدير ، فهو باعتبار تقدير هذه الأمور خالق ، وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير بارىء لأنه ركب تلك الأجزاء المقدرة وضم بعضها إلى بعض حتى صار شبحا طينيا أو لحما يتطور في الأرحام طورا طورا ، ومن هنا سمت العرب الحذّاء خالقا لتقديره بعض طاقات النعل على بعض ، وأما المصور فهو اسم له من حيث أن صور الأشياء أحسن ترتيب حتى انتهى في مراتب التدريج إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، وإن شئت ضرب المثال في العالم فهو ممكن أيضا لأنه في حكم شخص واحد مركب من أعضاء متفاوتة على غرض مطلوب منه ، وأعضاؤه وأجزاؤه السماوات والأرض والكواكب والماء والهواء وغيرهما ، وقد كان عرشه على الماء قبل خلق السماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما فوقهن وما تحتهن ، فخلق الريح فموجت الماء فأزبد وأبخر بالدخان ، فجعل الزبد لثقله مادة للأرض والدخان مادة للسماء كما أن البناء يضع الحجارة أسفل