السيد نعمة الله الجزائري
296
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
والدائب المجد التعبان أو المستمر في عمله على عادة مقررة ، وبهما فسر قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ ، وأما وصفه بالسرعة فقال شيخنا البهائي ( ره ) ربما يعطى بحسب الظاهر أن يكون المراد سرعته باعتبار حركته الذاتية التي يدور بها على نفسه ، وتحرك جميع الكواكب بهذه الحركة مما قال به جم غفير من أساطين الحكماء ، وهو يقتضي كون المحو المرئي في وجه القمر شيئا غير ثابت في جرمه وإلا لتبدل وصفه كما قال سلطان المحققين ، والأظهر أن ما وصفه عليه السّلام من السرعة إنما هو باعتبار حركته العرضية التي يتوسط فلكه فإن تلك الحركة على تقدير وجودها غير محسوسة ولا معروفة والحمل على المحسوس المتعارف أولى ، وسرعة حركة القمر بالنظر إلى سائر الكواكب ، أما الثوابت فظاهرة لكون حركتها من أبطأ الحركات حتى أن القدماء لم يدركوها ، وأما السيارات فلأن زحل يتم الدورة في ثلاثين سنة والمشتري في أثني عشر سنة والمريخ في سنة وعشرة أشهر ونصف وكلا من الشمس والزهرة وعطارد في قريب سنة وأما القمر فيتم الدورة في قريب من ثمانية وعشرين يوما ، هذا ولا يبعد أن يكون وصفه عليه السّلام القمر بالسرعة باعتبار حركته المحسوسة على أنها ذاتية له بناء على تجويز بعض حركات السيارات في أفلاكها من قبيل حركة الحيتان في الماء كما ذهب إليه جماعة ، ويؤيده ظاهر قوله تعالى والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ، ودعوى امتناع الخرق على الأفلاك لم يقترن بالثبوت ، وما لفقه الفلاسفة لإثباتها أوهى من بيت العنكبوت لإثباته على عدم قبول الأفلاك بأجزائها الحركة المستقيمة ، ودون ثبوته خرط القتاد ، والتنزيل الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ناطق بانشقاقها ، وما ثبت من معراج نبينا صلّى اللّه عليه واله وسلّم بجسده المقدس إلى السماء السابعة فصاعدا شاهد بانخراقها انتهى ، وهو كلام إسلامي يفوح منه رائحة العنبر . « المتردّد في منازل التّقدير » وهي الثمانية والعشرون التي يقطعها في كل شهر بحركته الخاصة فيرى كل ليلة نازلا بقرب واحد منها كما قال عز من قائل : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ، وأسماؤها مشهورة بين العرب في أشعارهم ومحاوراتهم فيها يتعرفون فصول السنة وغيرها ، والمراد بالتردد فيها عوده إليها في الشهر اللاحق بعد قطعه إياها في السابق ، فتكون كلمة في بمعنى إلى ، قال شيخنا البهائي ( قده ) ويمكن