السيد نعمة الله الجزائري
247
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا [ بلغ ] « 1 » نصف الطريق فأتاه ملك الموت فقبض روحه فاختص فيه ملائكة الرحمن وملائكة العذاب فقال ملائكة الرحمن جاء تائبا مقبلا وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرض فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة ، وفي رواية وكان إلى القرية أقرب فجعل من أهلها ، وفي رواية وأوصى اللّه إلى هذه أن تباعدي ، وإلى هذه أن تقربي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب فغفر له . الأمر الثاني : في وجوبها على الفور قال شيخنا البهائي ( قده ) لا ريب في وجوبها على الفور فإن الذنوب بمنزلة السموم المضرة للبدن وكما يجب على شارب السم المبادرة إلى الاستفراغ كذلك يجب على المذنب ، ومن سوّفها فهو بين خطرين عظيمين : أحدهما : يعاجله الأجل فيحضره وقت الموت وينسد عنه أبواب التلافي كما قال تعالى : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ، قال بعض المفسرين في قوله من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول لولا أخرتن ، إن المحتضر يقول عند كشف الغطاء ، يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي وأتوب إليه وأتزود صالحا فيقول فنيت الأيام فيقول أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فينغلق عنه باب التوبة ويغرغر بروحه إلى النار ويتجرع غصة اليأس وربما اضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال لما روي أن العديلة تعدله من خالص الإيمان إلى محض الكفر . وثانيهما : أن تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه إلى أن يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو فإن كل معصية يفعلها الإنسان يحصل منها ظلمة في قلبه كما يحصل من نفس الإنسان ظلمة في المرآة فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صدأ ، فإذا تراكم الرين صار طبعا فلا يقبل الإصلاح حينئذ وقد يعبر عن هذا القلب بالقلب المنكوس والقلب الأسود ، وعن الصادق عليه السّلام كان أبي يقول ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ، إن القلب ليواقع الخطيئة فلا يزال به حتى يغلب عليه فيصير أعلاه أسفله ، وعن أبيه عليه السّلام أنه قال ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى
--> ( 1 ) غير موجودة في الأصل ، ولكن يقتضيها سياق الكلام .